كومو 1907.. قصة فريق من ضفاف البحيرة إلى مشروع كروي يطرق أبواب كبار أوروبا
في كرة القدم، هناك أندية تصنع تاريخها بالألقاب والبطولات، وهناك أندية أخرى تتحول قصتها إلى حكاية عن الصمود والقدرة على العودة من بعيد. نادي كومو الإيطالي ينتمي إلى الفئة الثانية؛ فهو ليس من عمالقة الكرة الإيطالية التقليديين، لكنه أصبح خلال السنوات الأخيرة واحداً من أكثر المشاريع الكروية إثارة للاهتمام في إيطاليا وأوروبا.
من مدينة كومو الساحرة، الواقعة في إقليم لومبارديا شمال إيطاليا وعلى ضفاف بحيرة كومو الشهيرة، بدأت حكاية هذا النادي سنة 1907. حكاية امتدت لأكثر من قرن، عرفت خلالها الجمعية صعوداً إلى الدرجة الأولى، وسنوات من المعاناة المالية، وإفلاسين، قبل أن تستعيد مكانتها في الكالتشيو وتعود إلى الأضواء.
1. البدايات.. سنة 1907 وتأسيس النادي
تعود جذور كرة القدم في مدينة كومو إلى سنة 1906، عندما أقيمت مباراة على ضفاف البحيرة بين مجموعة من لاعبي نادي التجديف المحلي وأفراد من السيرك الشهير الذي كان يقيم بالمنطقة، ومن بينهم بعض المشاركين في عروض بافالو بيل.
كانت تلك المباراة، التي انتهت بالتعادل، من بين الأحداث التي ألهمت مجموعة من عشاق كرة القدم لتأسيس نادٍ خاص بالمدينة.
وفي ماي 1907، تأسس Como Football Club، لتبدأ رحلة النادي في المسابقات الإيطالية.
لم تكن البدايات سهلة، لكن الفريق تمكن تدريجياً من تثبيت أقدامه في المنافسات المحلية، وشارك في موسم 1913-1914 في الدرجة الأولى آنذاك، قبل أن تؤثر الصعوبات الاقتصادية والرياضية في مسيرته.
2. أولى النجاحات.. طريق طويل نحو النخبة
على امتداد العقود الأولى، عرف كومو فترات من الاستقرار وأخرى من التراجع، لكنه نجح في بناء هوية كروية مرتبطة بالمدينة وجماهيرها.
وفي موسم 1930-1931، حقق الفريق إنجازاً مهماً بتتويجه ببطولة الدرجة الأولى الإقليمية آنذاك، ليصعد لاحقاً إلى دوري الدرجة الثانية.
أما التحول الكبير فجاء بعد الحرب العالمية الثانية، عندما نجح النادي في بلوغ الدوري الإيطالي الممتاز لأول مرة في تاريخه، وخاض بين 1949 و1953 أربع مواسم متتالية في الدرجة الأولى.
وكان أفضل ترتيب له خلال تلك الفترة المركز السادس في موسم 1949-1950، وهو إنجاز ظل طويلاً من أبرز محطات تاريخه.
3. ملعب جوزيبي سينيغاليا.. هوية النادي وذاكرته
لا يمكن الحديث عن كومو دون التوقف عند ملعبه التاريخي جوزيبي سينيغاليا.
افتتح الملعب سنة 1927، ويقع في موقع استثنائي على ضفاف بحيرة كومو، ليكون واحداً من أكثر الملاعب تميزاً من الناحية الجمالية في إيطاليا.
وقد ارتبط الملعب بذاكرة أجيال من جماهير النادي، كما أصبح جزءاً من الصورة السياحية والرياضية للمدينة.
ولطالما وصف الصحفي الإيطالي الشهير جاني بريرا الملعب بأنه من أجمل ملاعب العالم، بسبب موقعه الطبيعي الفريد.
4. سنوات الصعود والهبوط.. من السيري A إلى الأزمات
بعد مغادرة الدرجة الأولى سنة 1953، دخل كومو مرحلة طويلة من التنقل بين الأقسام الإيطالية.
لكنه عاد بقوة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث توج ببطولة الدرجة الثالثة في موسم 1978-1979، ثم حقق الصعود إلى الدرجة الأولى بعد فوزه ببطولة الدرجة الثانية في موسم 1979-1980.
وخلال الفترة الممتدة بين 1980 و1982، ثم بين 1984 و1989، خاض الفريق مواسم متتالية في السيري A، ونجح في منافسة أندية عريقة، كما بلغ نصف نهائي كأس إيطاليا في موسم 1985-1986.
ومن الأسماء التي ارتبطت بتاريخ النادي في تلك المرحلة ستيفانو بورغونوف وبيترو فييركوفود، إلى جانب أسماء أخرى ساهمت في بناء صورة كومو كفريق قادر على منافسة الكبار.
لكن التسعينيات وبداية الألفية الجديدة حملتا معها تراجعاً تدريجياً، انتهى بأزمة مالية عميقة.
5. الإفلاس مرتين.. عندما أصبح بقاء النادي مهدداً
مع بداية الألفية الجديدة، دخل كومو واحدة من أصعب الفترات في تاريخه.
بعد صعوده إلى السيري A في موسم 2002-2003، لم يتمكن الفريق من المحافظة على مكانته، وعاد إلى الدرجة الثانية، قبل أن تتفاقم مشاكله المالية.
وفي سنة 2004، أعلن النادي إفلاسه، واضطر إلى إعادة بناء نفسه من الدرجات الدنيا لكرة القدم الإيطالية.
وبعد سنوات من العمل، نجح في العودة إلى المنافسات الاحترافية، لكن الأزمة تكررت مرة أخرى سنة 2016، عندما واجه النادي إفلاساً جديداً.
وفي موسم 2017-2018، وجد الفريق نفسه مجبراً على الانطلاق من السيري D، أي الدرجة الرابعة في إيطاليا.
كانت تلك لحظة مفصلية في تاريخ النادي: إما أن يختفي تدريجياً من المشهد، أو يبدأ رحلة جديدة نحو استعادة مكانته.
6. دخول المستثمرين الإندونيسيين.. بداية التحول الكبير
في أفريل 2019، دخل كومو مرحلة جديدة بعد استحواذ شركة SENT Entertainment على النادي، قبل أن يرتبط المشروع بمجموعة Djarum الإندونيسية، المملوكة للأخوين روبرت بودي هارتونو ومايكل بامبانغ هارتونو.
كان الهدف واضحاً: تحويل كومو من نادٍ يعاني من الهشاشة المالية إلى مؤسسة رياضية متكاملة، قادرة على المنافسة والاستثمار في البنية التحتية والتكوين والانتدابات.
ولم يقتصر المشروع على شراء اللاعبين، بل شمل إعادة تنظيم الإدارة، وتطوير مركز التكوين، وتحسين البنية التحتية، وبناء علامة تجارية تستفيد من شهرة مدينة كومو وموقعها السياحي العالمي.
وكانت النتائج الرياضية سريعة نسبياً:
موسم 2018-2019: التتويج بالسيري D والصعود.
موسم 2020-2021: التتويج بالسيري C والصعود إلى السيري B.
موسم 2023-2024: احتلال المركز الثاني في السيري B وتحقيق الصعود إلى السيري A.
وهكذا، نجح النادي في العودة إلى النخبة الإيطالية بعد غياب دام 21 عاماً.
7. سيسك فابريغاس.. من نجم عالمي إلى مهندس المشروع الرياضي
ربما يكون وصول الإسباني سيسك فابريغاس إلى كومو من أبرز المحطات التي ساهمت في تسليط الأضواء على النادي.
فابريغاس، الذي لعب لأندية كبرى مثل أرسنال وبرشلونة وتشيلسي، لم يأتِ إلى كومو لمجرد إنهاء مسيرته الكروية، بل أصبح جزءاً من المشروع الرياضي للنادي، سواء من خلال مساهمته الاستثمارية أو دوره الفني.
انضم إلى الفريق لاعباً سنة 2022، ثم بدأ مسيرته التدريبية داخله، قبل أن يتولى مسؤوليات فنية أكبر.
وفي موسم 2023-2024، كان ضمن الجهاز الفني الذي قاد كومو إلى الصعود، ثم أصبح مدرباً للفريق في مرحلة العودة إلى السيري A.
ما يميز تجربة فابريغاس هو اعتماده على كرة قدم تقوم على الاستحواذ، والبناء المنظم من الخلف، والضغط، مع منح الفرصة للاعبين الشباب.
لقد تحول من لاعب صاحب تجربة عالمية إلى أحد أبرز وجوه المشروع الجديد، وأصبح اسمه مرتبطاً بطموحات النادي في المنافسة على مستويات أعلى.
8. كومو في السيري A.. لم يعد مجرد فريق يبحث عن البقاء
كانت العودة إلى السيري A في موسم 2024-2025 اختباراً حقيقياً للمشروع.
فالمنافسة في الدوري الإيطالي الممتاز تختلف كثيراً عن الدرجات الأدنى، خصوصاً في ظل وجود أندية تملك خبرة كبيرة وإمكانات مالية ورياضية ضخمة.
لكن كومو لم يكتفِ بمجرد العودة، بل عمل على تعزيز صفوفه بأسماء ذات خبرة، مع الاستثمار في المواهب الشابة.
ومن بين الأسماء التي ارتبطت بمشروعه في تلك المرحلة:
سيسك فابريغاس، الذي قاد المشروع الفني.
تييري هنري، الذي ارتبط بالنادي بصفته مساهماً.
دينيس وايز، الذي ساهم في الإدارة الرياضية.
نيكو باز، الموهبة الأرجنتينية التي أصبحت من أبرز الأسماء في الفريق.
وكان إنهاء موسم العودة في المركز العاشر مؤشراً على قدرة الفريق على الاستقرار في الدرجة الأولى.
ثم جاء موسم 2025-2026 ليشهد محطة تاريخية أخرى، بعدما أنهى كومو الدوري في المركز الرابع، وفق المعطيات المنشورة عن الموسم، ليحجز مكاناً في دوري أبطال أوروبا للمرة الأولى في تاريخه.
9. ما وراء كرة القدم.. مشروع يتجاوز حدود المستطيل الأخضر
ما يجعل تجربة كومو مختلفة عن كثير من الأندية الصاعدة هو أن المشروع لا يقوم على النتائج الرياضية فقط.
فالإدارة تسعى إلى الاستفادة من القيمة السياحية العالمية لمدينة كومو، وتحويل النادي إلى علامة تجارية عالمية تجمع بين كرة القدم والسياحة والموضة والترفيه.
وقد دخل النادي في شراكات تجارية مع علامات عالمية، وعمل على تطوير منتجاته التجارية وصورته التسويقية، مستفيداً من جاذبية المدينة التي تستقطب السياح والمشاهير من مختلف أنحاء العالم.
لكن هذا التوجه يطرح تحدياً مهماً: كيف يمكن المحافظة على التوازن بين الطموحات التجارية والنجاح الرياضي والاستدامة المالية؟
وهو سؤال ستكشف السنوات المقبلة عن مدى قدرة إدارة النادي على الإجابة عنه.
الخاتمة.. من الإفلاس إلى الحلم الأوروبي
قصة كومو 1907 ليست مجرد حكاية فريق صعد من السيري D إلى السيري A، بل هي تجربة تعكس كيف يمكن للاستثمار والتخطيط الإداري والرؤية الرياضية أن تعيد إحياء نادٍ كان مهدداً بالاختفاء.
من تأسيسه سنة 1907، مروراً بفترات المجد في السبعينيات والثمانينيات، ثم الإفلاس مرتين، وصولاً إلى استحواذ المستثمرين الإندونيسيين وظهور سيسك فابريغاس، عاش النادي تحولات كبيرة جعلته واحداً من أبرز المشاريع الصاعدة في كرة القدم الإيطالية.
كومو اليوم لا يريد فقط أن يكون فريقاً في السيري A، بل يسعى إلى بناء هوية أوروبية جديدة، تجمع بين الطموح الرياضي والقوة الاقتصادية والخصوصية التاريخية لمدينة ساحرة.

