في سهرة جمعت ميادة الحناوي ومحمد خيري... قرطاج يحتفي بالطرب السوري
وعاد الصوت السوري إلى الركح الأثري، حاملاً معه إرثًا طربيًا ظل حاضرًا في تاريخ المهرجان منذ حفلات صباح فخري، التي تحولت إلى علامات مضيئة في ذاكرة الجمهور التونسي.
فعلى امتداد عقود، ظل ركح قرطاج محطة ثابتة لكبار الفنانين السوريين، وكان صباح فخري أحد أبرز من صنعوا تلك الذاكرة، إذ كانت حفلاته دروسًا مفتوحة في المقامات والارتجال وأصول الطرب، حتى أصبح اسمه جزءًا من تاريخ المهرجان، تمامًا كما أصبح قرطاج جزءًا من ذاكرة جمهوره.
وفي الدورة الستين، تجلى اللون السوري عبر صوتين ينتميان إلى جيلين مختلفين، لكنهما يلتقيان في الوفاء للهوية الموسيقية نفسها، هما الفنانة ميادة الحناوي والفنان محمد خيري.
وفي الجزء الأول من السهرة، اختار محمد خيري أن يطلق عمله الجديد "وجهة نظر" على الركح الأثري الذي يعتليه للمرة الأولى، فيما عُرض الفيديو كليب الخاص بالأغنية على الشاشة.
وعلى إيقاع "لما بدا يتثنى"، حمل الجمهور على أجنحة صوته الشجي إلى عوالم مدادها الطرب، حيث للكلمة وقعها، وللحن أثره، وللأداء سحره الخاص الذي يزداد رسوخًا بمرور السنين.
وتنقل بين الكلاسيكيات الطربية، وتلونت خامة صوته، ليصبح أداؤه امتدادًا للفنانين الذين طبعوا الذاكرة الموسيقية العربية، على غرار أم كلثوم وصباح فخري وسيد مكاوي.
وفي المدارج، كان الجمهور منتشيًا بدرر الأغاني، منصتًا لفنان يتقن التجوال بين المقامات والقدود الحلبية دون تكلف أو مبالغة في الأداء، بقيادة المايسترو مازن زوايدي.
وتناثرت الاستعارات المكثفة على الركح وهو يشدو بكلمات "سيبوني يا ناس" و**"هيمتني"** و**"قدك المياس"** و**"آه يا حلو"**، وهي أعمال تعكس ثراء المدونة الموسيقية العربية، وقد وجدت طريقها إلى الذاكرة ولم تغادرها.
وبقيادة المايسترو يوسف بالهاني، اعتلت ميادة الحناوي الركح، حيث كان الجمهور في انتظارها، واستقبلها بالهتاف، فغنت له "أنا مخلصالك"، ورد لها التحية بالغناء والتفاعل.
وتمثل ميادة الحناوي أحد أهم الأصوات العربية التي حافظت على مكانة الأغنية الكلاسيكية في زمن تبدلت فيه الذائقة الموسيقية.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، استطاعت أن تؤسس مسيرة استثنائية، عززها تعاونها مع كبار الملحنين والشعراء، وفي مقدمتهم الموسيقار محمد عبد الوهاب، الذي رأى في صوتها قدرة نادرة على حمل المشروع الطربي العربي.
وعلى ركح مهرجان قرطاج الدولي، الذي تعود إليه بعد 21 سنة، قدمت ميادة الحناوي أعمالًا أصبحت علامات في الوجدان العربي، مثل "أنا بعشقك" و**"الحب اللي كان"** و**"أنا مخلصالك"** و**"فاتت سنة"**.
ومع تفاعل الجمهور، بدا جليًا أن هذه الأعمال ما زالت تحافظ على حضورها، لأنها لم تعتمد على رواج اللحظة، بل راهنت على قوة اللحن، وعمق الكلمة، وثراء الأداء.
وقالت الفنانة ميادة الحناوي: "تحيا تونس... تحيا سوريا"، بعد أن حيت جمهورها، واختزلت بهذه العبارة فلسفة السهرة التي تقاسمتها مع الفنان محمد خيري، والتي احتفت بالطرب السوري اعترافًا بدور هذه المدرسة في تشكيل ذاكرة المهرجان وإثراء المشهد الموسيقي العربي.
ومع أغنية "الشمس"، تحول المسرح الأثري بقرطاج إلى فضاء للبوح بحب يجمع الفنانة بجمهورها منذ سنوات طويلة، فيما خفتت الأضواء، وتلاشت المسافة بين صوتها والأصوات التي ارتفعت من المدارج.
وعندما تدفقت كلمات أغنية "أنا بعشقك"، صار الجمهور جوقة تشاركها الغناء، وتستحضر معها ملامح أغنيات صنعت مجد الموسيقى العربية، واحتلت مكانة راسخة في الذاكرة.
وفي سهرة عنوانها الطرب، حملت ميادة الحناوي جمهورها إلى الزمن الجميل، وتنقلت بين أشهر أغانيها، واختبرت حب جمهورها وهي تقف مرة أخرى على ركح قرطاج، فيما حمل محمد خيري، في أول صعود له إلى هذا الركح، إرث القدود الحلبية، وأثبت أنه صوت يليق بأعرق المسارح.

