«PSY» لجعفر القاسمي.. حين يتحول الضحك إلى جلسة علاج جماعي
منذ البداية، اختار القاسمي أن يبتعد عن الكوميديا التقليدية. لم يبدأ بنكتة، بل بالموت، ومن أكثر نقاطه وجعا: رحيل والدته. ومن هذا الفقد انطلقت رحلة يتحول فيها الألم إلى حكاية، والحكاية إلى مفارقة، ثم إلى ضحكة.
المخاطرة هنا ليست بسيطة، فالضحك من الفقد قد يتحول بسهولة إلى ابتذال. لكن «PSY» لا تسخر من الألم بقدر ما تستخدمه مدخلا إلى أسئلة أوسع حول الإنسان والمجتمع.
ركح بسيط وأسئلة كثيرة
على ركح شبه فارغ، يكتفي العرض أساسا بحضور جعفر القاسمي وكرسي أبيض. وبين الأبيض والأسود تتحرك الرحلة البصرية والنفسية للعرض.
يدخل القاسمي بسترة بيضاء، ثم ينزعها ليظهر بالأسود، قبل أن يستعيد الأبيض في النهاية. وبين اللونين تمر موضوعات الموت والفقد والخوف والسلطة والسياسة والحرية والذاكرة والمستقبل.
أما الكرسي، فلا يقدم العرض له معنى جاهزا. قد يكون كرسي انتظار أو اعتراف أو علاج، وقد يحيل أيضا إلى السلطة ومن يجلس في موقعها.
من الضحك على الآخر إلى الضحك على الذات
تتسع دائرة «PSY» تدريجيا من تجربة القاسمي الشخصية إلى المجتمع، فتصل إلى الإدارة والسياسة والبيروقراطية والخوف والسلبية وعلاقتنا بالحرية.
لكن قوة العرض تكمن في أنه لا يترك الجمهور طويلا في موقع المتفرج على «الآخر».
نضحك على الموظف والسياسي والمسؤول، ثم نكتشف أن بعض ما نسخر منه أصبح جزءا من سلوكنا نحن أيضا.
نرفض التسلط عندما يمارس علينا، لكن هل نرفضه عندما نمتلك نحن بعضا من السلطة؟ ندافع عن حريتنا، لكن ماذا نفعل بحرية المختلف عنا؟
هنا تتحول الكوميديا إلى مرآة.
لماذا نضحك على أزماتنا؟
تطرح «PSY» أيضا سؤالا حول علاقتنا بالضحك. فالتونسي قادر على تحويل الإدارة والسياسة والأسعار والخوف وحتى الأزمات إلى مادة للسخرية.
قد يكون ذلك شكلا من أشكال المقاومة والنجاة النفسية، لكنه قد يكون أيضا طريقة للتكيف مع واقع نعجز عن تغييره.
فالضحك يمكن أن يكون مقاومة، لكنه قد يصبح كذلك مخدرا مؤقتا: نسخر من المشكلة، نشعر أننا انتصرنا عليها، ثم نعود إلى حياتنا كما كانت.
ولا تقدم «PSY» إجابة جاهزة، بل تترك السؤال معلقا.
من الفرد إلى الذاكرة الجماعية
لا يتوقف العرض عند الشأن التونسي، بل يستحضر أيضا فلسطين والحروب والذاكرة العربية، ليطرح سؤالا آخر حول أثر الأحداث الكبرى في نفسية الأفراد والمجتمعات.
فالإنسان لا يحمل فقط جراحه الشخصية، بل يحمل أيضا جراح زمنه.
ومن هنا تتحول «PSY» إلى جلسة علاج جماعي، لا نعرف فيها تماما من الطبيب ومن المريض.
وفي النهاية يعود القاسمي إلى سترته البيضاء. لكنه لا يعود إلى النقطة نفسها.
لقد مر عبر الفقد والخوف والسلطة والذاكرة، ولذلك يبدو الأبيض الأخير أشبه بمصالحة مع ما تم الاعتراف به، لا عودة إلى براءة البداية.
نجاح «PSY» لا يقاس فقط بعدد الضحكات التي انتزعها جعفر القاسمي من جمهور سيدي منصور، بل بتلك اللحظات التي جعل فيها الضحك يتوقف قليلا في الحلق.
جئنا لنضحك على المسرح، فاكتشفنا أن المسرح كان ينظر إلينا.
مهدي بن عمر
كاتب المقال La rédaction

