معاناة المهاجرين بين الحروب والإقصاء.. ألمانيا في مرآة مسلسل «4 بلوكس زيرو»
المسلسل، الذي انطلق عرضه في 25 سبتمبر 2026 عبر منصة «إتش بي أو ماكس»، يعود بالمشاهد إلى برلين خلال تسعينيات القرن الماضي، ليروي البدايات الأولى لعائلة حمادي قبل تحولها إلى إحدى العائلات النافذة في عالم الجريمة المنظمة، كما ظهرت في العمل الأصلي «4 بلوكس». غير أن أهمية هذه العودة لا تكمن في تفسير نشأة شبكة إجرامية فحسب، بل في إضاءة ظروف اجتماعية وسياسية ساهمت في تشكيل مصائر أفرادها، وفي مساءلة مجتمع الاستقبال ومدى قدرته على منح الوافدين إليه فرصة حقيقية لبناء حياة مستقرة.
وتتجاوز راهنية المسلسل الحقبة التي يستعيدها. فبينما تتواصل الحروب والأزمات في الشرق الأوسط، وتتصاعد الخطابات المناهضة للهجرة في عدد من المجتمعات الأوروبية، تستعيد هذه الدراما أسئلة لم تُحسم منذ عقود. هل يكفي أن ينجو الإنسان من الحرب حتى يصبح آمنًا؟ وهل يتحقق الاندماج بمجرد تعلم اللغة والعيش في مجتمع جديد، أم أنه يقتضي أيضًا اعتراف ذلك المجتمع بحق المهاجر في العمل والاستقرار والانتماء؟
من الحرب الأهلية اللبنانية إلى برلين... لجوء بلا استقرار
لفهم العالم الذي يقدمه «4 بلوكس زيرو»، لا بد من العودة إلى الحرب الأهلية اللبنانية التي امتدت من سنة 1975 إلى سنة 1990، ودفعت أعدادًا من اللبنانيين والفلسطينيين المقيمين في لبنان، إلى جانب جماعات أخرى، إلى البحث عن ملاذ خارج البلاد. وكانت ألمانيا الغربية إحدى الوجهات التي استقبلت موجات من هؤلاء الفارين، خاصة خلال الثمانينيات، قبل أن يجد كثير منهم أنفسهم أمام تعقيدات قانونية واجتماعية حالت دون حصولهم على إقامة مستقرة.
وفي أحياء برلين، ومنها نويكولن، استقرت عائلات عربية عاشت سنوات طويلة في وضع قانوني هش، يُعرف في ألمانيا بالإقامة المتسامح معها، وهي ليست تصريحًا بالإقامة، بل تعليق مؤقت لإجراءات الترحيل. وقد ارتبط هذا الوضع، بالنسبة إلى بعض اللاجئين، بقيود على العمل وصعوبات في بناء حياة اقتصادية مستقلة. وتوثق دراسات عن تاريخ الهجرة إلى برلين كيف عاش بعض الفارين من الحرب اللبنانية سنوات في هذه الحالة، حتى بعد أن أصبح لأبنائهم ارتباط عميق بالمجتمع الألماني.
تلك الخلفية التاريخية هي التي يستند إليها المسلسل في بناء عالم عائلة حمادي، التي تعيش في برلين خلال التسعينيات، بعد توحيد ألمانيا، وسط تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة. فالأب مالك حمادي، الذي يؤدي شخصيته رامي فاضل خلف، يعمل طباخًا من دون أن يمتلك الظروف القانونية التي تتيح له عملًا نظاميًا مستقرًا. وفي المقابل، يحاول أبناؤه الأربعة، علي وعباس ومروان وأمارة، متابعة دراستهم والبحث عن مستقبل مختلف، رغم التمييز الذي يواجهونه باستمرار.
ويجسد مالك أحد أكثر جوانب الحكاية مأساوية. فهو أب لا يسعى إلى النفوذ أو الثراء بقدر ما يريد حماية أسرته وتأمين مستقبل أبنائه. لكن العمل وحده لا يكفي، والتعليم لا يضمن بالضرورة الاعتراف، والالتزام بالقواعد لا يمنح العائلة دائمًا إحساسًا بالمساواة. وهنا يبرز أحد الأسئلة المركزية في المسلسل، ماذا يحدث عندما يُطلب من المهاجر الاندماج في مجتمع لا يوفر له جميع الشروط التي تجعل هذا الاندماج ممكنًا؟
ولا يعني ذلك أن تجربة جميع المهاجرين اللبنانيين في ألمانيا كانت واحدة، أو أن مساراتهم ارتبطت بالجريمة. فقد اختلفت أوضاعهم القانونية والاجتماعية، كما اختلفت تجارب الاندماج والنجاح بين العائلات والأجيال. غير أن المسلسل يستلهم جانبًا موثقًا من تاريخ الهجرة، ويحوّله إلى حكاية درامية عن الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين وطن فقدوا إمكانية العودة الآمنة إليه، وبلد لم يتمكنوا من الشعور بالاستقرار الكامل فيه.
الفقر والعنصرية وتفكك العائلة... حين تتحول الهوية إلى عبء
لا ينحصر التمييز في المسلسل في المواجهات المباشرة أو العبارات العنصرية الصريحة، بل يظهر أيضًا في التفاصيل اليومية التي تبدو صغيرة، لكنها تترك آثارًا عميقة في حياة الأفراد.
ففي أحد المواقف المدرسية، يتعرض علي، وهو تلميذ متفوق، إلى معاملة غير منصفة عندما يدخل أستاذه الاعتبارات اللغوية في تقييم اختبار رياضيات، على نحو يحرمه من التقدير الذي يستحقه. وفي مشهد آخر، تواجه الجدة وحفيدتها معاملة متعالية داخل متجر أثناء استخدام قسائم المساعدة الاجتماعية.
تبدو هذه المشاهد بعيدة عن عالم الجريمة الذي ارتبط بالمسلسل الأصلي، لكنها تكشف جانبًا من العنف الاجتماعي الذي لا يحتاج إلى سلاح. إنه العنف الذي يمارَس حين يُختزل الإنسان في اسمه أو أصله أو وضعه الاقتصادي، وحين يشعر الطفل بأن اجتهاده قد لا يكون كافيًا ليُعامل على قدم المساواة مع الآخرين.
ويزداد هذا الشعور تعقيدًا لدى الجيل الثاني من المهاجرين. فالأبناء الذين كبروا في ألمانيا لا يحملون بالضرورة الذاكرة نفسها التي يحملها الآباء عن لبنان. المدرسة والشارع واللغة والأصدقاء كلها عناصر تربطهم بالمجتمع الألماني، لكنهم يكتشفون أحيانًا أن هذا الارتباط لا يحسم سؤال الانتماء.
من هنا تنشأ أزمة هوية لا تتعلق فقط بالاختيار بين ثقافتين، وإنما بالشعور بأن الاعتراف قد يكون ناقصًا في كلتيهما. فالابن قد لا يعرف وطن والديه معرفة مباشرة، وفي الوقت نفسه لا يجد نفسه مقبولًا بالكامل في البلد الذي نشأ فيه.
وتظهر هذه الأزمة بصورة خاصة في شخصية علي، الذي يبدو في بداية الحكاية شابًا ذكيًا وطموحًا، بعيدًا عن صورة زعيم الجريمة التي سيعرفه بها الجمهور لاحقًا باسم توني حمادي. ويصبح التحول التدريجي في شخصيته أكثر تعقيدًا عندما تتقاطع خيباته الاجتماعية مع علاقات القوة والنفوذ التي تتشكل حوله.
أما العائلة، التي يفترض أن تكون مساحة للحماية، فتتحول تدريجيًا إلى ساحة للصراعات. فغياب الأم، وضيق المسكن، وضغوط الفقر، والخلاف حول طرق كسب المال، كلها عوامل تهدد استقرار البيت. ويتصاعد التوتر مع وصول إبراهيم منصور، شقيق زوجة مالك، بعد سنوات قضاها في السجن بلبنان، حاملًا معه علاقات وممارسات تدفع الأسرة شيئًا فشيئًا نحو عالم الجريمة.
وتكشف هذه العلاقة أحد أوجه المحسوبية والاعتماد على شبكات النفوذ داخل العالم الذي تصوره الدراما. فحين تضيق فرص العمل النظامي وتتعثر سبل الاستقرار، تصبح العلاقات الشخصية والوساطات أحيانًا بابًا للحصول على المال أو الحماية أو الفرص. لكن تلك الشبكات لا تعمل دائمًا لمصلحة الأفراد، وقد تتحول إلى أدوات للضغط والاستغلال وإعادة إنتاج التبعية.
ومع ذلك، فإن من الضروري ألا تتحول هذه القراءة إلى تبرير للجريمة باعتبارها نتيجة حتمية للفقر أو العنصرية. فالمسلسل يقدم أيضًا شخصيات تتخذ قرارات واعية، بعضها مدمّر، وتتحمل مسؤولية اختياراتها. وتكمن قوة العمل النقدية في الجمع بين مساءلة الظروف الاجتماعية التي تضيق خيارات الإنسان، والاعتراف بأن هذه الظروف لا تسقط مسؤوليته عن أفعاله.
بعد 3 عقود... هل تبدلت أوضاع المهاجرين مع صعود اليمين المتطرف؟
ربما تكمن إحدى أهم نقاط قوة المسلسل في توقيت عرضه. فهو يستعيد تسعينيات القرن الماضي، لكنه يخاطب جمهورًا يعيش مرحلة أوروبية تشهد تجدد الجدل بشأن الهجرة واللجوء والهوية الوطنية، بالتزامن مع استمرار الحروب والنزاعات في الشرق الأوسط.
وفي ألمانيا تحديدًا، اكتسبت قضايا الهجرة والاندماج حضورًا متزايدًا في المنافسة السياسية، بالتوازي مع توسع القاعدة الانتخابية لليمين المتشدد.
وتكشف النتائج النهائية للانتخابات التشريعية الألمانية لسنة 2025 عن حصول حزب «البديل من أجل ألمانيا» على 20.8 في المائة من الأصوات، مقابل 10.4 في المائة في انتخابات 2021، أي إن حصته الانتخابية تضاعفت خلال 4 سنوات. وهي نتيجة تعكس تحولًا مهمًا في حضور الحزب داخل المشهد السياسي الألماني، وإن كانت لا تعني أن المجتمع الألماني بأكمله يتبنى خطابه.
ولا يقتصر هذا التحول على ألمانيا. فقد أظهرت الانتخابات الأوروبية لسنة 2024 تنامي حضور قوى اليمين الراديكالي داخل البرلمان الأوروبي، حيث حصلت مجموعة «وطنيون من أجل أوروبا» على 84 مقعدًا عند تشكيل البرلمان الجديد. كما خلص تحليل نشره مركز السياسة الأوروبية في جوان 2026 إلى أن التيارات اليمينية المتطرفة احتفظت بقدرتها على استقطاب الناخبين، رغم اختلاف نتائجها وتجاربها من دولة إلى أخرى.
وفي موازاة هذه التحولات السياسية، تشير المعطيات الألمانية إلى استمرار التمييز العنصري بأشكال مختلفة.
فقد سجلت الهيئة الاتحادية الألمانية لمكافحة التمييز 13 ألفًا و67 طلب استشارة خلال سنة 2025، بزيادة تناهز 15 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، وكانت الشكاوى المرتبطة بالتمييز العنصري الأكثر حضورًا، بنسبة 43 في المائة. ولا تمثل هذه الأرقام جميع حالات التمييز في المجتمع الألماني، بل الحالات التي وصلت إلى الهيئة، لكنها تقدم مؤشرًا على حجم الإشكال واستمراره.
أما التقرير الذي نشرته الوكالة الاتحادية الألمانية للتثقيف السياسي في 2 نوفمبر 2026، فقد تناول استمرار العنصرية المعادية للمسلمين، خاصة في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023 والتوترات اللاحقة في الشرق الأوسط. ويشير إلى أن التمييز لا يرتبط فقط بالمعتقد الديني الفعلي، بل قد يستهدف أشخاصًا بسبب أسمائهم أو مظهرهم أو أصولهم المفترضة. ولا يصح الخلط بين الهوية العربية والهوية الإسلامية، غير أن بعض أشكال الوصم العنصري تتقاطع في استهداف المنتمين إليهما.
وهكذا تبدو أحداث المسلسل، رغم بعدها الزمني، قريبة من أسئلة الحاضر. فالعائلات التي تهرب اليوم من النزاعات لا تواجه فقط تحديات الرحلة والوصول، وإنما تحديات الإقامة والعمل والسكن والتعليم والقبول الاجتماعي، في مناخ سياسي تتزايد فيه حساسية النقاش حول الهجرة.
وتفرض هذه المفارقة قراءة أعمق لفكرة الاندماج. إذ لا يمكن النظر إليه باعتباره مسؤولية المهاجر وحده، مع إعفاء مؤسسات الدولة والمجتمع من مسؤولية توفير المساواة في الحقوق والفرص. كما لا يصح، في المقابل، تصوير المجتمعات الأوروبية باعتبارها كتلة واحدة ترفض الوافدين، فهي تضم أيضًا حركات مدنية ومؤسسات وأفرادًا يدافعون عن حقوقهم ويساهمون في استقرارهم.
وبذلك لا يعود السؤال الذي يطرحه «4 بلوكس زيرو» محصورًا في ألمانيا التسعينيات، بل يمتد إلى أوروبا الراهنة، كيف يمكن بناء مجتمعات تطلب من المهاجرين الانتماء إليها، دون أن تجعل هويتهم الأصلية سببًا دائمًا للشك أو الإقصاء؟
من «4 بلوكس» إلى «4 بلوكس زيرو»... حكاية تعرف نهايتها وتبحث عن أسبابها
لم يظهر عالم عائلة حمادي للمرة الأولى في العمل الجديد. فقد عرفه الجمهور الألماني من خلال مسلسل «4 بلوكس»، الذي عُرض بين سنتي 2017 و2019 على امتداد 3 مواسم، وكان من إنتاجات الدراما الألمانية التي حظيت بإشادة نقدية وجوائز تلفزيونية بارزة.
وقد تمحورت حكايته حول عائلة حمادي ونفوذها في عالم الجريمة المنظمة بأحياء برلين، خاصة نويكولن، وفي مقدمتها علي المعروف باسم توني حمادي، الذي جسد شخصيته الممثل كيدا خضر رمضان، إلى جانب شخصيات ارتبطت بعلاقات معقدة تجمع العائلة والولاء والسلطة والمال والعنف.
أما «4 بلوكس زيرو»، فلا يقدم موسمًا رابعًا يستكمل الأحداث، بل يعود إلى مرحلة سابقة منها، ويعيد تقديم الشخصيات في شبابها أو قبل تشكّل نفوذها. وهو اختيار سردي يغير زاوية النظر إلى الحكاية، إذ ينتقل من استعراض قوة العائلة إلى البحث في الظروف والقرارات التي أسهمت في صعودها.
وتتمثل المفارقة الدرامية في أن الجمهور الذي تابع العمل الأصلي يعرف المصائر التي ستؤول إليها بعض الشخصيات، لكنه يكتشف في العمل الجديد جوانب مختلفة من ماضيها. فالتركيز على أحلام الشباب وخيباتهم، وعلى رغبة الأب في تأمين حياة عادية لأبنائه، يجعل التحول اللاحق أكثر مأساوية وتعقيدًا.
ومن الناحية الإنتاجية، يمثل المسلسل الجديد إحدى أولى الإنتاجات الدرامية الألمانية الأصلية لمنصة «إتش بي أو ماكس»، التي أطلقت خدماتها في ألمانيا في جانفي 2026. وتندرج هذه الخطوة ضمن توجه المنصة للاستثمار في إنتاجات محلية ناطقة بالألمانية، إلى جانب أعمالها العالمية.
ويُحسب لهذه التجربة أنها تمنح مساحة أوسع لحكاية عائلة عربية مهاجرة، لا بوصفها مجرد عنصر ثانوي في مجتمع أوروبي، بل باعتبارها محورًا للسرد الدرامي. غير أن ذلك لا يكفي وحده للحديث عن تحول شامل في سياسة الشركة تجاه تمثيل العرب والمهاجرين؛ فالعمل يظل أيضًا امتدادًا لنجاح تجاري وفني سابق، ومحاولة لاستقطاب جمهور جديد عبر حكاية معروفة.
والقيمة الإضافية هنا هي انتقال الاهتمام من نتائج التهميش إلى بعض أسبابه، ومن صورة العائلة المجرمة إلى تاريخ عائلة حاولت في البداية إيجاد موطئ قدم في مجتمع جديد.
وفي هذا السياق، يبرز أيضًا حضور الممثل التونسي أحمد الحفيان في تاريخ المسلسل الأصلي، وهي مشاركة تستحق الالتفات.
فقد ظهر الحفيان في الموسم الثاني سنة 2018، مؤديًا شخصية محمد الصافي، أحد خصوم توني حمادي في عالم الجريمة، ضمن الصراعات التي شهدتها أحداث ذلك الموسم. بما يعكس امتداد حضور الممثل التونسي إلى إنتاجات درامية أوروبية معروفة.
وإن كان الحفيان غير مشارك في العمل التمهيدي الجديد بحسب قوائم الممثلين المعلنة، فإن ظهوره السابق يظل تفصيلًا مهمًا في تاريخ هذا العالم الدرامي، ويذكّر بإمكانية حضور الكفاءات التونسية والعربية في إنتاجات تتجاوز الحدود الوطنية واللغوية.
وجوه عربية بلغتين... حين تخدم الصورة والأداء ذاكرة المهاجرين
إلى جانب موضوعه الاجتماعي، يستند «4 بلوكس زيرو» إلى مجموعة من العناصر الفنية التي تمنحه قدرًا من المصداقية الدرامية، وفي مقدمتها اختيارات الممثلين واستخدام اللغتين العربية والألمانية.
فقد أسندت الأدوار الرئيسية إلى طارق السايس في شخصية إبراهيم منصور، ورامي فاضل خلف في شخصية الأب مالك حمادي، وطارق ناصري في دور علي حمادي، وسفيان المسعودي في دور عباس، إلى جانب فاطمة خنفور في شخصية الجدة حنين، وعدد من الممثلين الآخرين.
ولا تقتصر أهمية هذه الاختيارات على ملامح الممثلين أو قدرتهم على تجسيد شخصيات عربية، وإنما تشمل أيضًا التعامل مع اللغة بوصفها مكوّنًا أساسيًا من التجربة الاجتماعية للمهاجرين.
فالعربية ليست مجرد وسيلة للتعبير داخل المنزل، والألمانية ليست لغة الشارع والمؤسسات فحسب، بل تحمل كل منهما علاقة مختلفة بالذاكرة والسلطة والانتماء. ويتيح التنقل بينهما إظهار المسافة التي تفصل أحيانًا بين الأجيال، كما يكشف التفاوت في قدرة أفراد العائلة على التعامل مع المجتمع الجديد.
ويستعمل المسلسل حوارات عربية مصحوبة بترجمة، إلى جانب الألمانية الدارجة، وهو خيار لفت انتباه نقاد رأوا فيه عنصرًا أساسيًا من عناصر واقعية العمل.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية عند النظر إلى عملية اختيار الممثلين. فقد أوضحت مسؤولة اختيار الممثلين إيريس باومولر، في حوار نشر في سبتمبر 2026، أن فريق الإنتاج بحث عن ممثلين قادرين على أداء الشخصيات بلهجات ملائمة لخلفياتها اللبنانية والسورية، ولم يقتصر البحث على ألمانيا، بل امتد إلى بلدان أوروبية أخرى. كما استغرقت العملية قرابة سنة، وشملت تدريبًا وتحضيرًا لضمان الانسجام بين الممثلين والشخصيات التي يؤدونها.
وهو ما يعكس اهتمامًا بتفاصيل لا تظهر دائمًا للمشاهد، لكنها تؤثر في صدقية الأداء، خاصة عند تصوير أشخاص يعيشون بين لغتين وثقافتين.
أما من الناحية البصرية، فيستعيد المسلسل برلين التسعينيات من خلال فضاءات عمرانية وملابس وديكورات تعكس مرحلة ما بعد توحيد ألمانيا. فالشقق الضيقة، والمباني القديمة، والشوارع التي لم تشملها بعد التحولات العمرانية اللاحقة، لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، وإنما تساعد على إبراز الظروف المادية التي تعيشها الشخصيات.
وتساهم الإضاءة الخافتة والصورة القاتمة والدرجات اللونية التي توحي بقدم المرحلة في تشكيل مناخ بصري يجمع بين الحنين والقلق. فالتسعينيات هنا ليست مجرد حقبة تُستعاد بملابسها وموسيقاها، بل زمن مثقل بتناقضات اجتماعية، تبدو فيه المدينة في طور التحول، بينما يظل بعض سكانها على هامش ذلك التحول.
وقد تولى إدارة التصوير ماتياس بوليغر وماكس برايس، فيما أخرج العمل أوزغور يلدريم وحسين طباك. وتبرز في المعالجة البصرية عناية بتكوين الفضاءات الداخلية، وبالتباين بين الأماكن التي تمنح الشخصيات إحساسًا مؤقتًا بالأمان وتلك التي تكشف هشاشتها أمام عالم خارجي مضطرب.
لكن نجاح العمل في بناء أجواء واقعية لا يجعله وثيقة تاريخية محايدة. فالمسلسل يظل دراما جريمة تستثمر في التشويق والعنف والصراعات، وقد تفضي بعض اختياراته إلى إعادة إنتاج الصورة النمطية التي تربط العائلات العربية المهاجرة بالعالم الإجرامي.
وقد نبهت قراءات نقدية ألمانية إلى هذا التوتر بين البعد الاجتماعي للعمل والجاذبية الدرامية للشخصيات العنيفة، خصوصًا أن تصوير المجرم باعتباره شخصية قوية أو جذابة قد يطغى أحيانًا على الرسالة النقدية التي تسعى الحكاية إلى تقديمها.
ومن هنا تكمن أهمية النظر إلى «4 بلوكس زيرو» باعتباره عملًا يحاول فهم مسار بعض الشخصيات، لا تفسير مصائر جميع العرب في ألمانيا من خلال نموذج واحد.
ومع ذلك، يظل من أبرز مكاسبه أنه يمنح المهاجرين وعائلاتهم مساحة لعرض هشاشتهم الإنسانية، ويتيح لممثلين من خلفيات عربية ومهاجرة تقديم شخصيات تتجاوز الأدوار الثانوية المعتادة، مستفيدًا من طاقات تمثيلية متعددة اللغات والثقافات.
وفي المحصلة، يقدم «4 بلوكس زيرو» أكثر من عودة إلى عالم درامي ناجح. فهو يستحضر ذاكرة جيل خرج من حرب مدمرة، ليجد نفسه أمام صعوبات اللجوء والتمييز وغياب اليقين، ثم ينقل جانبًا من هذه المعاناة إلى الأجيال التي نشأت في بلد الاستقبال.
ولعل أهم ما يتركه المسلسل من أسئلة يتجاوز حكاية حمادي وما آلت إليه فبين حروب الأمس وحروب اليوم، وبين ألمانيا التسعينيات وأوروبا التي تتصاعد فيها مجددًا الخطابات المناهضة للهجرة، تبقى مأساة المهاجر أكبر من مجرد عبور حدود جغرافية. إنها أيضًا معركة طويلة من أجل الاعتراف والكرامة والاستقرار، ومن أجل ألا يظل الإنسان غريبًا حتى في المكان الذي أصبح موطنه.
نــور فــارسي
