هل أصبح الترند أهم من الفن؟
ما حدث في حفل إليسا الأخير على ركح المسرح الأثري بقرطاج، مع لقطة الكوفية الفلسطينية، لم يكن مجرد تفصيل عابر في سهرة فنية، ففي ساعات قليلة تحولت تلك اللحظة إلى جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي؛ بين من اعتبر أن الفنانة رفضت التوشح بالكوفية التي ألقاها نحوها أحد المعجبين لأسباب مباشرة تتعلق ربما ببعض مواقفها السياسية، ومن رأى المشهد من زاوية أخرى مختلفة تمامًا.
وبغض النظر عن الموقف من إليسا الفنانة أو من الحادثة نفسها، لفتني سؤال آخر: كيف يمكن للحظة لا تتجاوز ثواني أن تطغى على حفل كامل؟
ساعات من الغناء، وفرقة موسيقية، وإضاءة، وتحضيرات، وجمهور جاء ليستمع، ثم تختزل السهرة كلها في مقطع قصير قابل للتداول.
ربما هنا تحديدًا يمكن فهم شيء مما تغير في علاقة الجمهور بالفن.
شيئًا فشيئًا، انتقل مركز الثقل من العمل الفني إلى شخصية الفنان، ومن معايشة الحفل إلى توثيقه، ومن الاستمتاع باللحظة إلى البحث عن اللحظة التي تستحق النشر.
فبعض الجماهير لم تعد تكتفي بكونها حاضرة في الحفلات، بل اتجهت صوب إثبات أنها كانت حاضرة، كأن يخرج البعض منها بمقطع يمكن نشره، أو بلحظة قابلة للتداول، أو بصورة مع الفنان بعد انتهاء السهرة، تصنع حضورًا رقميًا.
هذه النقلة لا تعني أن شغف الجمهور العربي، أو التونسي تحديدًا، بالفن قد تلاشى، لكنها تكشف أن الطريقة التي نستهلك بها الموسيقى والحفلات قد تغيرت بصورة كبيرة، وأن الجيل الجديد يدخل إلى الحفل بعلاقة مختلفة مع الفنان ومع عالمه الرقمي، المتمثل في هاتفه الذكي وحسابه على مواقع التواصل الاجتماعي.
من الجمهور السميع إلى الجمهور الرقمي
الجمهور السميع الذي عاش زمن الإذاعة والأسطوانة والكاسيت والتلفزيون كان حصوله على الموسيقى أكثر محدودية؛ فالمستمع ينتظر الأغنية، ويقتني الشريط أو الأسطوانة، ويعيد الاستماع إلى العمل مرات طويلة، ويعرف الأغنية من لحنها وكلماتها وأداء صاحبها.
أما جمهور جيل اليوم، فهو يعيش وسط وفرة غير مسبوقة. الأغنية موجودة على أغلب المنصات الرقمية، والحفل يمكن تصويره، والمقطع يمكن إعادة نشره، والأغنية نفسها يمكن اكتشافها عبر فيديو قصير لا يتجاوز ثواني.
والنتيجة أن الجمهور الذي يدخل إلى الحفل اليوم لا يدخل إليه فقط بوصفه مستمعًا، بل يدخل أيضًا بوصفه مصورًا أو ناشرًا ومتابعًا وصانع محتوى محتملًا.
وهذا فرق جوهري؛ فالإنسان أصبح لا يريد فقط أن يعيش اللحظة بقدر ما يبحث عن طريقة يوثقها بها أو يشاركها مع الآخرين، فقد أصبح نشر التجربة جزءًا من التجربة نفسها.
حين تصبح اللحظة الفنية ترندًا
وهنا تظهر قيمة ظاهرة العصر: الترند.
المقطع الذي يصوره الشخص في الحفل لا يبقى بالضرورة مجرد ذكرى شخصية؛ قد يصل إلى مئات أو آلاف الأشخاص، وقد يدخل في نقاش عام، أو قد يصبح حدثًا عارضًا داخل الحفل لا علاقة له بالفن.
فالفنان قد يقضي أسابيع في التحضير للصوت والفرقة والإضاءة والركح، لكن مقطعًا واحدًا يوثقه الجمهور يمكن أن يحدد الصورة التي سيُروَّج بها للحفل.
وقد حدث ذلك مرارًا في حفلات عربية خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الأزمات والحوادث والملابس والمواقف مع الجمهور والضيوف جزءًا أساسيًا من التغطية الإعلامية، وفي بعض الحالات طغت على قيمة الحفل ذاته.
عشرون ثانية قد تتغلب على ساعتين من الغناء
في السابق، كان الفنان يحتاج إلى أغنية ناجحة حتى يضمن حضور الجمهور إلى حفله، أما اليوم فقد يكون الفنان نفسه هو الحدث.
الصورة، والملابس، وطريقة الدخول، وحركة على الركح، وجملة يقولها، وضيف يصعد إلى المسرح، وموقف طريف، أو حتى حادثة غير متوقعة، كلها يمكن أن تصبح مادة يتناقلها الناس أكثر مما يتداولون الأغنية التي غناها الفنان.
المفارقة هنا أن مقطعًا واحدًا عمره عشرون ثانية قد ينتصر على ساعتين من الغناء على الركح، وقد تصبح إطلالة واحدة أكثر انتشارًا من الأغنية.
وهذا ما يجعل ما يقع خارج العمل الفني أحيانًا قادرًا على إعادة تعريف العمل كله في أذهان الجمهور.
حين يدخل الاقتصاد على خط الحفل
الحفلات الفنية اليوم تتجه أكثر نحو اختيار أسماء فنية تجارية، فكل شيء مرتبط بالاقتصاد أيضًا. المنظم يحتاج إلى جمهور يشتري التذاكر، والفنان الأكثر شهرة يملك، من حيث المبدأ، قدرة أكبر على جذب الجمهور، لذلك يصبح اسم الفنان عاملًا أساسيًا في التسويق للحفل.
وهنا تدخل المؤسسات الثقافية والمهرجانات في معادلة صعبة: كيف تحافظ على الوظيفة الثقافية للمهرجان، وفي الوقت نفسه تضمن الإقبال الجماهيري؟
إن تحميل الجمهور وحده مسؤولية هذا التحول سيكون تبسيطًا للمشهد؛ فالجمهور يتفاعل مع ما يُقدَّم له، والمنظم يختار ما يعتقد أنه سيجذب الجمهور، والفنان يبحث عن الانتشار، والمنصة تكافئ المحتوى القابل للتفاعل، وهكذا تتشكل الدائرة.
وفي وسط هذه الدائرة، يمكن أن تصبح الجودة الفنية واحدة من عدة معايير، لا المعيار الوحيد.
وهنا تأتي مسؤولية النقد الفني والإعلام الثقافي في التمييز بين النجاح الجماهيري والنجاح الفني، وبين النجاح الرقمي والنجاح على أرض الواقع.
بين الاستماع وصناعة الترند
التحدي هو أن تظل الموسيقى في قلب الحفل، حتى في زمن أصبح فيه كل شيء قابلًا للتصوير والنشر والتحول إلى ترند.
فإذا كان الجيل القديم يدخل الحفل ليستمع ثم يتحدث عما سمع، فإن جزءًا من جمهور اليوم يدخل الحفل ليعيش التجربة ثم يتحدث عما صوّره. وكلاهما له ثقافته الخاصة التي وجب تقبلها والتعامل معها ومواكبتها.
وبين هذا وذاك، برزت تغيرات تكنولوجية وتغيرات في صناعة النجومية، ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح بخصوص المشهد الفني ككل:
هل نحن أمام جمهور لم يعد يتذوق الفن، أم أمام تحولات وجب مواكبتها؟
رضوان التوانسي
كاتب المقال La rédaction

