الكاف وسياسة المكيالين في صلوحية الملاعب.. حين تُعاقَب تونس بالقانون وتُكافأ المغرب بتجاوزه
نطرح هنا سؤالاً مباشراً: كيف تُقام مباراة في نصف نهائي دوري الأبطال داخل ملعب بسعة 12 ألف متفرج؟
لا يمكن اعتبار هذا الوضع حالة استثنائية أو خللاً عابراً، بل يكشف نمطاً واضحاً في طريقة تطبيق الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) لشروطه التقنية المنصوص عليها في وثائقه الرسمية، وهو ما يفرض ضرورة تحليل هذا الواقع بوضوح.
ينص كراس شروط الكاف الخاص باستغلال الملاعب في المسابقات القارية بشكل صريح على تصنيف الملاعب إلى أربع فئات وفق المادة 6.02، حيث يسمح فقط لملاعب الفئة الرابعة باحتضان مباريات نصف النهائي والنهائي في المسابقات الكبرى مثل دوري أبطال إفريقيا وكأس الكونفيدرالية.
وتحدد المادة 23.01 الحد الأدنى للطاقة الاستيعابية كما يلي: تستوعب ملاعب الفئة الأولى حتى 5000 متفرج، وتستوعب ملاعب الفئة الثانية حتى 10000 متفرج، بينما تستوعب ملاعب الفئة الثالثة حتى 30000 متفرج، وتشترط الفئة الرابعة حدًا أدنى يبلغ 30000 متفرج. وبذلك، يفرض القانون بشكل واضح أن أي ملعب يريد احتضان الأدوار المتقدمة يجب أن يتسع لما لا يقل عن 30 ألف متفرج دون أي استثناء.
لكن الواقع في المغرب يعكس صورة مختلفة تماماً، حيث يحتضن الملعب البلدي ببركان، الذي يتسع لـ12 ألف متفرج، وملعب المسيرة الخضراء بآسفي، الذي يتسع لـ13 ألف متفرج، مباريات نصف نهائي في دوري أبطال إفريقيا وكأس الكونفيدرالية.
تظهر الفجوة بوضوح عندما نلاحظ أن كل ملعب ينقصه ما لا يقل عن 18 ألف مقعد مقارنة بالحد الأدنى المطلوب، ومع ذلك تمنحهما الكاف حق احتضان مباريات كبرى. ويطرح هذا الواقع سؤالاً مشروعاً: على أي أساس قانوني أو تقني تمنح هذه التراخيص؟ ولا تصدر الكاف أي توضيح رسمي يفسر ذلك، بل تلتزم الصمت.
في المقابل، تواجه تونس وضعاً مختلفاً تماماً. يمتلك ملعب حمادي العقربي برادس طاقة استيعابية تبلغ 60 ألف متفرج، لكنه يحصل فقط على تأهيل مؤقت، بينما تبقى ملاعب أخرى مثل الطيب المهيري بصفاقس وملعب سوسة وملعب المنستير خارج نطاق التأهيل القاري بالرغم من أنها أكبر سعة من ملعبي بركان و آسفي.
ولا تتوقف المفارقة عند هذا الحد، بل تتجلى في أن تونس تلتزم بالقوانين وتتحمل تبعات ذلك، حيث لم تبادر الجامعة التونسية لكرة القدم إلى تفعيل المادة 4.05 من كراس الشروط، التي تسمح بطلب زيارات تفتيشية للملاعب قبل 75 يوماً من الموعد المحدد مقابل تحمل تكاليف اللجنة. ويظل هذا المسار القانوني متاحاً لكنه غير مستغل بالشكل المطلوب.
يمكن تفسير هذا التباين بعدة عوامل محتملة، حيث يعزز المغرب حضوره داخل الكاف من خلال ثقله الدبلوماسي، خاصة بعد استضافته لكأس أمم إفريقيا 2025 وتنظيمه لكأس العالم 2030 بالشراكة مع إسبانيا والبرتغال كممثل عن القارة السمراء في إحتضان هذا الحدث، وهو ما يمنحه هامشاً أكبر في التفاوض غير الرسمي.
في المقابل، يضعف غياب الضغط الرسمي من الجانب التونسي موقعه، حيث لم تُوجَّه مراسلات كافية ولم يُستثمر المسار القانوني المتاح، ولم تُطالب تونس بمعاملة مماثلة.
أما بخصوص ملعب صفاقس.. يطرح النقاش أيضاً في مسألة توسعة ملعب الطيب المهيري بصفاقس، حيث يجب أن يصل المشروع إلى طاقة 30 ألف متفرج على الأقل ليحقق جدوى حقيقية في إطار التأهيل القاري. وإذا لم يبلغ هذا الحد، فإن المشروع سيفقد قيمته الاستراتيجية وسيمثل هدراً للمال العام.
ويتعين على الجامعة التونسية لكرة القدم التحرك بسرعة على عدة مستويات، وأن تبادر فوراً بمراسلة الكاف لطلب زيارات تفتيشية لملاعب صفاقس والمنستير وبنزرت وفق المادة 4.05. كما ينبغي أن تمارس ضغطاً رسمياً من خلال مراسلات دبلوماسية تطالب بتطبيق القوانين بشكل متساوٍ، مع تقديم أدلة موثقة حول الحالات التي لم تُحترم فيها المعايير.
ختاماً يتحمل الجمهور التونسي تبعات هذا الوضع، حيث يضطر للتنقل إلى رادس لمتابعة المباريات الكبرى، بينما يتمكن جمهور مدن مغربية من متابعة نصف النهائي في ملاعبهم المحلية.
كما لا يمكن معالجة سياسة المكيالين بالاستياء أو التذمر، بل يجب مواجهتها عبر التحرك القانوني والضغط المؤسسي والمطالبة الصريحة بتطبيق القوانين كما هي مكتوبة.
ليبقى السؤال المطروح: هل ستتحرك الجامعة التونسية لتفعيل هذه الأدوات واستعادة حقها المشروع؟



