الجزائر تطوي نصف قرن من العلاقات مع الإمارات.. من التوتر إلى القطيعة الدبلوماسية
وقالت السلطات الجزائرية إن القرار جاء بعد «استنفاد كل السبل» الرامية إلى الحفاظ على العلاقات الثنائية، لتدخل بذلك العلاقات الجزائرية الإماراتية مرحلة جديدة، بعد مسار دبلوماسي امتد لنحو نصف قرن.
من التوتر السياسي إلى القطيعة الدبلوماسية
لم يكن قرار قطع العلاقات وليد اللحظة، بل جاء في ختام مسار من التوتر المتصاعد بين البلدين، وكانت إحدى أبرز محطاته في 7 فيفري 2026، عندما باشرت الجزائر إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية المبرمة مع الإمارات.
وكانت الاتفاقية قد وُقعت في أبوظبي في 13 ماي 2013، قبل أن تصادق عليها الجزائر بموجب مرسوم رئاسي صدر في 30 ديسمبر 2014.
وتنص المادة 22 منها على إجراءات إنهائها، من خلال إشعار الطرف الآخر رسميا عبر القنوات الدبلوماسية، إلى جانب إعلام منظمة الطيران المدني الدولي بالقرار.
وبين الشروع في إجراءات إلغاء الاتفاقية الجوية في 7 فيفري وإعلان قطع العلاقات في 10 سبتمبر، مرّ 215 يوما، انتقلت خلالها الأزمة من إجراءات قطاعية إلى قطيعة دبلوماسية كاملة.
وتعود خلفية التوتر إلى فترة أسبق، إذ وجّهت السلطات ووسائل إعلام جزائرية خلال الأشهر الماضية اتهامات إلى أبوظبي بالتدخل في الشؤون الداخلية للجزائر ومحاولة التأثير في استقرار المنطقة.
وازداد التوتر وضوحا في 7 فيفري، عندما تحدث الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون عن تدخل دولة خليجية في الشأن الداخلي لبلاده، وصولا إلى المسار الانتخابي، من دون أن يسمّي الإمارات بشكل مباشر. وربطت تقارير إعلامية جزائرية تصريحاته بأبوظبي.
وفي المقابل، حرص تبون في مناسبات سابقة على الفصل بين الخلاف مع الإمارات وعلاقات الجزائر ببقية دول الخليج، موكدا أهمية العلاقات التي تجمع بلاده بالسعودية وقطر والكويت وسلطنة عُمان، بما يعكس الطابع الثنائي للأزمة الجزائرية الإماراتية.
ومع ذلك، فإن الإعلان الجزائري عن قطع العلاقات لم يتضمن، في صيغته الأولى، قائمة تفصيلية بالأسباب المباشرة التي دفعت إلى اتخاذ القرار في هذا التوقيت، ما يستدعي التمييز بين الأسباب التي أعلنتها الجزائر رسميًا وبين الاتهامات والتفسيرات التي رافقت مسار الأزمة.
نصف قرن من العلاقات ينتهي بعد أشهر من التصعيد
تكتسب القطيعة الجديدة دلالتها بالنظر إلى تاريخ العلاقات بين البلدين، إذ أقامت الجزائر والإمارات علاقاتهما الدبلوماسية رسميًا سنة 1976.
وخلال الفترة الممتدة بين 1976 و1980، كان التمثيل الدبلوماسي الجزائري في أبوظبي في مستوى قائم بالأعمال، قبل أن يُرفع ابتداء من سنة 1980 إلى مستوى سفير.
وتعزز التعاون المؤسساتي بين البلدين في 30 أفريل 1984، بتوقيع اتفاق إنشاء اللجنة المشتركة الجزائرية الإماراتية. وصادقت الجزائر على الاتفاق في 23 أفريل 1985، فيما وافقت عليه الإمارات بقرار مجلس الوزراء رقم 546/19/1984 الصادر في 12 نوفمبر 1984.
وعلى امتداد العقود التالية، أصبحت اللجنة المشتركة إحدى أبرز الأطر المؤسساتية لتنظيم التعاون بين البلدين. وعقدت اللجنة 15 دورة، كانت آخرها موثقة بين 21 و24 فيفري 2023 في أبوظبي، وأسفرت عن توقيع خمس اتفاقيات تعاون.
وتكشف هذه المحطات عن مسار طويل من بناء العلاقات الرسمية والمؤسساتية: إقامة العلاقات الدبلوماسية سنة 1976، رفع مستوى التمثيل إلى سفير سنة 1980، إنشاء اللجنة المشتركة سنة 1984، ثم توسيع مجالات التعاون عبر اتفاقيات متعددة، وصولًا إلى آخر دورة موثقة للجنة سنة 2023.
لكن هذا المسار دخل مرحلة مختلفة تمامًا في 2026، مع بدء إجراءات إلغاء اتفاقية الخدمات الجوية في 7 فيفري، قبل أن يصل التصعيد إلى ذروته في 10 سبتمبر بقرار قطع العلاقات الدبلوماسية.
من التعاون المؤسساتي إلى القطيعة
تكمن أهمية القرار الجزائري في أنه لا يمثل مجرد خلاف دبلوماسي عابر، بل قطيعة بين دولتين حافظتا على علاقات رسمية طوال نحو خمسة عقود، وشيدتا خلالها شبكة من الاتفاقيات وآليات التعاون المؤسساتي.
ومن هذه الزاوية، تبدو الأشهر السبعة التي تفصل بين 7 فيفري و10 سبتمبر 2026 لافتة بشكل خاص. ففي أقل من عام، انتقلت العلاقة من خلافات سياسية متصاعدة وإجراءات مرتبطة بقطاع الطيران إلى قرار سيادي بإنهاء العلاقات الدبلوماسية.
وبحسب الموقف الجزائري المعلن، جاء قرار القطيعة بعد استنفاد الوسائل المتاحة للحفاظ على العلاقات الثنائية. أما التفاصيل الكاملة لمسار الأزمة والأسباب المباشرة التي قادت إلى القرار، فتظل مرتبطة بما ستعلنه الجزائر والإمارات من مواقف وتوضيحات لاحقة.
وبين 1976 و2026، تكون العلاقات الجزائرية الإماراتية قد أغلقت، على الأقل في شكلها الدبلوماسي الحالي، فصلًا امتد لنحو نصف قرن؛ فصل بدأ ببناء التمثيل الدبلوماسي واللجان المشتركة، وانتهى بأشد درجات التصعيد: قطع العلاقات رسميا.
*نور الفارسي

