كيف تحوّلت الحرب على إيران إلى هدية استراتيجية غير متوقعة لموسكو؟
روسيا لم تُطلق رصاصة واحدة في هذه الحرب، ولم توقف طائرة، ولم تُرسل جندياً. ومع ذلك، باتت القوة التي تجني أكبر المكاسب الاستراتيجية من هذا الصراع.
هذا التقرير يرصد ثلاثة محاور رئيسية تكشف كيف تحوّلت الحرب على إيران إلى هديةٍ استراتيجية غير متوقعة لموسكو.
من عجز متفاقم إلى انتعاش طاقي
كانت الميزانية الروسية تنزف قبل اندلاع الحرب. في جانفي 2026، انخفضت إيرادات موسكو الاتحادية بنسبة 11.6% على أساس سنوي، وتجاوز العجز 1.7 تريليون روبل (ما يعادل 18.1 مليار يورو). عائدات النفط والغاز تراجعت من 45% من الميزانية الفيدرالية عام 2021 إلى ما بين 20% و30% بحلول عام 2025، تحت وطأة العقوبات الغربية وانهيار الأسعار.
ثم جاء الغلق الإيراني لهرمز فغيَّر المعادلة بالكامل.
وفق بيانات رويترز المحاسبية المنشورة في أفريل 2026، تضاعفت إيرادات روسيا من الضريبة على استخراج المعادن النفطية من نحو 327 مليار روبل في مارس إلى ما يقارب 700 مليار روبل في أفريل، أي ما يعادل 9 مليارات دولار في شهر واحد. قفز سعر الخام فوق 100 دولار للبرميل فور إغلاق المضيق، ومع أن الأسعار تراجعت لاحقاً إثر إشارات ترامب إلى إمكانية إنهاء الصراع، فإنها ظلت بحلول مطلع أفريل بنحو 27% أعلى من مستوياتها قبل الحرب.
أبعد من الأسعار، استفادت موسكو من تخفيف العقوبات، إذ قرّرت واشنطن في مارس منح الهند إعفاءً لمدة ثلاثين يوماً من الرسوم الجمركية المفروضة على شراء النفط الروسي بذريعة تهدئة أسعار الوقود المحلية، فانتعشت صادرات موسكو بشكل ملحوظ. وأفاد أحد المحللين لدى مجموعة يوراسيا بأن الشحنات بيعت بحوالي 90 دولاراً للبرميل، بعد أن كانت تُباع بنحو 50 دولاراً قبيل الحرب.
على الصعيد العالمي، أصبحت الصين التي تستورد قرابة 40% من نفطها من الخليج أكثر اعتماداً على الغاز الروسي عبر الأنابيب جراء اضطراب إمدادات هرمز، مما يُعزز أكثر تحالف موسكو بكين الاقتصادي. وفي الوقت ذاته، ارتفعت أسعار الغاز الأوروبي بنحو 50% منذ اندلاع الصراع، ليُضاف هذا إلى رصيد الأرباح الروسية.
انقسام أطلسي يريح موسكو ويُربك دعم أوكرانيا
لم تكن الأرباح النفطية وحدها ما يجعل الكرملين مرتاحاً. فقد كشف اندلاع الحرب عن تصدعات عميقة في صميم الحلف الأطلسي.
حين تحرّكت واشنطن عسكرياً ضد إيران، وجد حلفاء أمريكا الأوروبيون أنفسهم في حيرة، كيف يُوازنون بين دعم الجهد الحربي الأمريكي في الخليج ومتطلبات الدفاع عن أوكرانيا في الوقت ذاته؟ لم يُقدِّم معظمهم دعماً عسكرياً للعمليات ضد إيران، فاشتعل الخلاف مع ترامب الذي صرّح علناً باتهام الناتو بـ"التقاعس"، مُلوّحاً بإعادة النظر في التزامات واشنطن تجاه الحلف.
وزاد الوضع تعقيداً حين وجّه وزير الخارجية ماركو روبيو تحذيراً مُبطَّناً للحلفاء الأوروبيين، مفاده أن دعم واشنطن لأوكرانيا قد يكون في خطر إن لم يُسهم الأوروبيون في تأمين مضيق هرمز، قائلاً: "حرب أوكرانيا ليست حرباً أمريكية، ومع ذلك فقد قدّمنا لها أكثر مما قدّمه أي بلد آخر."
وعلى صعيد مباشر أكثر، تُشير التقارير إلى أن بوتين أجرى مع واشنطن مفاوضات عرض فيها "صفقة" مثيرة مفادها أن توقف موسكو مشاركة الاستخبارات مع إيران مقابل أن تتوقف واشنطن عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية مع أوكرانيا. وأعلن الكرملين في الوقت ذاته تعليقاً لأجل غير مسمى للمحادثات الثلاثية مع الولايات المتحدة وأوكرانيا التي كانت تُبشّر بتقدم دبلوماسي على صعيد الحرب.
استنزاف صامت يُضعف دفاعات كييف ويمنح موسكو تفوقاً ميدانياً
كانت أوكرانيا تعاني أصلاً من شُح مزمن في صواريخ "باتريوت" الاعتراضية، وهو نظام الدفاع الأمريكي الذي يشكّل عمودها الفقري في التصدي للصواريخ الباليستية الروسية من طراز إسكندر وكينجال. والرقم الذي أطلقه الرئيس زيلينسكي صادم: "استُخدمت في الأيام الثلاثة الأولى من حرب إيران كميات من صواريخ باتريوت الأمريكية تفوق ما زودت به أوكرانيا طوال سنوات الحرب منذ عام 2022."
وجاء تأكيد الجنرال المتقاعد ريتشارد شيريف، نائب القائد الأعلى السابق لقوات الناتو في أوروبا، ليرسم الصورة الكاملة: "أطلق الأمريكيون في الأيام الأربعة الأولى من الحرب ما يعادل أربعة أضعاف ما زوّدوا به أوكرانيا خلال أربع سنوات من الحرب. وبالتالي، فإن بوتين يستفيد لأنه ستتوفر معدات أقل لإرسالها إلى الأوكرانيين."
والضربة الموجعة، أُفيد بأن البنتاغون يدرس توجيه ما يقارب 750 مليون دولار من برنامج "قائمة متطلبات أوكرانيا ذات الأولوية" إلى تجديد مخزونه الخاص، ناهيك عن التقارير التي أفادت بأن صواريخ الهجوم المشترك بعيدة المدى التي كان يُعتزم تزويد كييف بها استُنفدت بالكامل في ضربات إيران.
هذه الحقيقة جعلت وزير الدفاع الفنلندي يطالب علناً واشنطن بالتزام عقودها، وأجبرت الأمين العام للناتو مارك روتي على التصريح بأن الأسلحة الأمريكية المُدرجة ضمن البرنامج ستستمر في التدفق نحو أوكرانيا، وهو تصريح يعكس حجم الضغط المتصاعد داخل الحلف.
في الوقت ذاته، يُضاعف الجيش الروسي ضرباته، إذ بلغت غاراته الصاروخية على أوكرانيا في فيفري 2026 ذروتها بـ288 صاروخاً في شهر واحد، وهو أعلى مستوى منذ مطلع 2023، في ظل ما تراه موسكو فرصة سانحة لاستغلال انكشاف الدفاعات الأوكرانية.
نور الفارسي
كاتب المقال La rédaction

