هل تنجح باكستان في تحويل الحرب الصهيو أمريكية على إيران إلى فرصة لإعادة تموقعها دوليًا؟
منذ بداية عام 2026، كثّفت باكستان اتصالاتها الدبلوماسية مع أطراف متعددة، شملت إيران، دول الخليج، والولايات المتحدة، في وقت تشير فيه تقديرات دبلوماسية إلى رغبة دولية في تجنب انزلاق المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. وتستند إسلام آباد في هذا التحرك إلى تاريخ طويل من الوساطات، إضافة إلى موقعها كدولة نووية، وثقلها داخل العالم الإسلامي.
تحرك دبلوماسي محسوب: بين الحياد والمصالح
تعتمد باكستان في تحركها على سياسة “الحياد النشط”، حيث تحافظ على علاقات رسمية مع إيران، مقابل شراكات استراتيجية مع الولايات المتحدة ودول الخليج، خاصة السعودية. هذا التوازن يمنحها قدرة فريدة على لعب دور الوسيط المقبول من مختلف الجهات.
اقتصاديًا، تواجه باكستان تحديات كبيرة، حيث بلغ الدين الخارجي للبلاد أكثر من 125 مليار دولار حتى أواخر 2025، مع اعتماد كبير على برامج صندوق النقد الدولي. في هذا السياق، تمثل الوساطة فرصة لتحسين صورتها الدولية، وجذب دعم اقتصادي وسياسي من القوى الكبرى.
كما أن باكستان تدرك أن أي تصعيد عسكري واسع في المنطقة قد يؤثر مباشرة على أمنها الداخلي، خاصة في ظل حدودها المشتركة مع إيران، والتي تمتد لأكثر من 900 كيلومتر، وتشهد أحيانًا توترات أمنية مرتبطة بجماعات مسلحة.
رهانات إقليمية: تعزيز النفوذ داخل العالم الإسلامي
إقليميًا، تسعى باكستان إلى استعادة دورها داخل العالم الإسلامي، في ظل منافسة غير معلنة مع قوى مثل تركيا وإيران والسعودية. ويمنحها الانخراط في ملف الوساطة موقعًا متقدمًا في معادلات التوازن الإقليمي.
كما أن نجاحها في تخفيف حدة التوتر قد يعزز مكانتها داخل منظمة التعاون الإسلامي، ويدعم طموحاتها للعب دور قيادي في قضايا العالم الإسلامي، خاصة في ظل تراجع بعض الأدوار التقليدية.
في المقابل، تحاول باكستان تجنب الانحياز الكامل لأي طرف، إدراكًا منها لحساسية موقعها، ولحاجتها إلى الحفاظ على علاقات متوازنة، خاصة مع دول الخليج التي تمثل مصدرًا رئيسيًا للتحويلات المالية، والتي تجاوزت 30 مليار دولار سنويًا من المغتربين الباكستانيين.
مكاسب دولية محتملة: إعادة التموضع في النظام العالمي
على المستوى الدولي، تسعى باكستان إلى استثمار هذا الدور لتعزيز موقعها في النظام العالمي الذي يشهد تحولات متسارعة، مع تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
وتحافظ إسلام آباد على علاقات استراتيجية وثيقة مع الصين، خاصة في إطار “الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني”، الذي تُقدّر استثماراته بأكثر من 60 مليار دولار. وفي الوقت نفسه، تحاول تحسين علاقاتها مع واشنطن، بعد سنوات من التوتر.
من هذا المنطلق، فإن لعب دور الوسيط يمنح باكستان فرصة لتقديم نفسها كشريك موثوق في إدارة الأزمات، ما قد يفتح الباب أمام دعم اقتصادي، وتخفيف الضغوط المالية، وربما إعادة إدماجها بشكل أقوى في التحالفات الدولية.
كما أن نجاح الوساطة، حتى بشكل جزئي، قد يعزز صورتها كقوة مسؤولة، قادرة على الإسهام في الاستقرار الإقليمي، وهو ما تحتاجه بشدة في ظل التحديات الاقتصادية والأمنية التي تواجهها.
في المحصّلة، لا تبدو تحركات باكستان مجرد مبادرة دبلوماسية عابرة، بل تعكس استراتيجية أوسع لإعادة التموضع في سياق دولي متغير. وبينما تبقى فرص نجاح الوساطة مرتبطة بعوامل معقدة، فإن الأكيد أن إسلام آباد تسعى إلى تحويل الأزمة إلى فرصة، مستفيدة من موقعها، وعلاقاتها، وحاجات القوى الكبرى إلى وسطاء قادرين على بناء الجسور في زمن الأزمات.
نور فارسي

