أحداث الخبز بصفاقس ...حين تتغلّب إرادة الحياة على ثنائية الرصاص والدم
في عمق قاعة الجلسة بالمحكمة الابتدائية صفاقس 1 وقف الحبيب بن كريّم أحد متضرري أحداث الخبز التي شهدتها تونس في أوائل ثمانينات القرن الماضي يروي تفاصيل الضرر الذي لحقه جراء رصاصة أطلقها عسكري من الخلف.
اخترقت الرصاصة كتفه الأيمن وغادرت جسده سريعا، سقط يتخبط في دمائه الغزيرة...
سؤال القاضي يقطع رواية المتضرر للأحداث ... هل من مبرر لإطلاق النار على مسيرة تطالب بالتراجع عن الترفيع في سعر الخبز؟
'المساء المشؤوم... خبز وماء ومزالي لا '
كان الطفل الحبيب بن كريم وقتها يبلغ من العمر 13 سنة ففي مساء الرابع من جانفي من سنة 1984 شارك في مسيرة خرجت بطريق سكرة بضاحية مدينة صفاقس للمطالبة بالتراجع عن الترفيع في سعر الخبز من 80 الى 170 مليما.
يستحضر الحبيب المساء الأسود المشؤوم بكثير من الألم البادي على وجهه، يعتصر الذاكرة المليئة بالثقوب وسنوات الهامش والنسيان التي مرت.
'عسكريان في أوج الشباب يطلقان العنان لبندقيتيهما شطاير... رصاص كثيف في وجه المتظاهرين، تختلط هتافات الحناجر ' خبز وماء ومزالي لا' بصوت وابل الرصاص العشوائي'...
برك الدماء على الأرض كانت شاهدة على إرادة الحياة ...ندوب الأمس الكثيرة وآثار الرصاص في أجساد المتظاهرين معالم وعناوين للانتهاكات التي لم يستطع الزمن طمسها ودفنها.
عقود النكران الرسمي والترهيب
قضّى الحبيب بن كريم قرابة الشهر في مستشفى الهادي شاكر وأكثر من سنة لا يقوى على تحريك يده ... أصبح اليوم كهلا في أواخر الأربعينات من عمره...بدأ الشيب يغزو شعره...يعاني من ضيق في التنفس ...
يعيش رفقة شقيقه في منزل والديه الذين توفيا ...عاطل عن العمل... ولم يتزوج... ينظر في الفراغ البعيد الى السماء ...يكسو حزن عميق عينيه اللتان لم تشاهدا وجه من أطلق عليه الرصاصة الغادرة ...
'لم يطرق بابنا أي مسؤول بعد الحادثة ...والدي اتصل بالعمدة طالبا الاعانة المادية لتوفير مصاريف الأدوية فهددوه بالسجن ' احمد ربي ولدك صغير كان ينجم يدخل للحبس ...ولدك مخرّب ' كانت اجابتهم.
رفض المستشفى تمكين عائلة الحبيب من ملفه الطبي الذي يبين نوعية اصابته ونسبة السقوط البدني، أوصدت جميع الأبواب في وجهه ورفضت السلط تقديم يد المساعدة اليه.
واجه أكثر من ثلاثة عقود من النكران الرسمي ومحاولة قبر الانتهاك.
جرح ينزف وبصيص أمل ...
'لم أكن أتخيل يوما أن أقف أمام قاض وأتحدث عن الانتهاك والظلم الذي تعرضت اليه... لا أطلب غير لفتة من الدولة وتوفير دخل قار لي أو تعويض مادي يكفل لي العيش الكريم في ما تبقى لي من هذه الحياة' هكذا صدح لي بعد ان تحدث امام القاضي لدقائق معدودات.
قد أصفح عن العسكري الذي أطلق عليّ النار... يستطرد لا أعرف ان كان حيا أو ميتا لكن يجب أن يعترف ويعتذر...قبل كل شيء.
يسأل القاضي، المتضرر، ان كان قد اتصل بمحام لينوبه ... لا يملك الحبيب مالا لتكليف محام بالترافع عنه ...يكشف للقاضي عن آثار الرصاصة في كتفه... الشاهد الصارخ على آثار هذه الواقعة المأساوية.
ينادي رئيس الجلسة على المتهمين المنسوب اليهم الانتهاك: ' ادريس قيقة (وزير الداخلية آنذاك)، عبد الحميد الصخيري (مدير عام الشرطة الوطنية في تلك الفترة)، يوسف بركات (رئيس أركان جيش البر في تلك الحقبة) ، معتمد الحنشة ، أمنيون ، رؤساء مراكز، والي صفاقس و عدد من المسؤولين في أوائل الثمانينات ... لم يحضر أي من المتهمين...يواصل القاضي سماع المتضررين و أهالي الضحايا ...تأخذ العدالة طريقها لكشف الحقائق و رد الاعتبار للضحايا المتضررين...ترفع الجلسة التي انعقدت أمس الخميس 15 نوفمبر 2018 و تؤجل الى 17 جانفي 2019 استجابة لطلب القائمين بالحق الشخصي.
يبقى جرح الحبيب غائرا في الظاهر دون أن ينزف...يغادر المحكمة بصيص أمل يلوح في الأفق ...


كاتب المقال غازي الدريدي
