أمهات على الهامش.. رحلة حمل بلا متابعة في ريف صفاقس
منذ بداية حملها لم تتمكن فريدة إلا من القيام بعيادة واحدة فقط خلال الثلاثية الأولى، حين قصدت قابلة في المستوصف القريب من مقر سكنها للتأكد من خبر حملها. حاولت بعد ذلك العودة مرتين لمتابعة حالتها، لكنها في كل مرة لم تجد القابلة، لتبقى إلى حد كتابة هذه الأسطر دون متابعة طبية، حتى إنها لا تعرف بعد جنس الجنين الذي تحمله.
" زيارة طبيبة مختصة في أمراض النساء والتوليد ليست في متناولي، فتعريفة العيادة الخاصة تصل إلى سبعين دينارًا، وهو مبلغ يفوق قدرتي بكثير، أما الذهاب إلى وحدة التنظيم العائلي، التي تبعد عن بيتي حوالي 64 كلم، لمتابعة الحمل، فليس بالأمر السهل أيضًا، فتعريفة “اللواج” تبلغ خمسة دنانير ذهابًا ومثلها إيابًا ما يعادل معلوم كيسين من النفايات البلاستيكية التي تجمعها إضافة إلى ما يلزم من مصاريف سيارة الأجرة للوصول إلى المركز"، تقول فريدة بأسف.
هي ليست المرأة الوحيدة التي تواجه صعوبات تعيق متابعة فترة حملها بشكل طبيعي، ففاطمة، البالغة من العمر 25 سنة، تعيش وضعًا مشابهًا، إذ إنها حامل في شهرها الرابع بطفلها الأول، وهي تقطن بمنطقة المحروقة التابعة لمعتمدية عقارب من ولاية صفاقس. منذ بداية حملها، لم تتمكن من متابعة وضعها الصحي إلا مرة واحدة فقط، عندما زارت القابلة في الأسابيع الأولى من الحمل، قبل أن تنقطع زياراتها لاحقاً بسبب جملة من الصعوبات التي تواجهها يومياً.
توضح فاطمة أن غياب وسائل النقل يمثل أحد أبرز العوائق التي تحول دون وصولها إلى خدمات الرعاية الصحية، فهي تقطن في منطقة ريفية تبعد نحو 20 كيلومتراً عن مركز مدينة عقارب، وما يقارب 26 كيلومتراً عن مدينة صفاقس، ما يجعل التنقل لمتابعة الحمل أمراً مرهقاً ومكلفاً في الوقت ذاته. لم تعد فاطمة إلى المركز الصحي مرة أخرى وهذا ما كان له انعكاس سلبي على صحتها، حيث أنها تشعر بين الحين والآخر بآلام متفرقة، لكنها تجد نفسها عاجزة عن فعل أي شيء في ظل غياب الإمكانيات وصعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية.
ما تعيشه فريدة وفاطمة يعكس التحديات التي تواجهها النساء الحوامل في المناطق الريفية النائية بولاية صفاقس، في طل صعوبة الوصول إلى الرعاية الصحية خلال الحمل، مما ينعكس على صحتهن وعلى صحة الجنين، ويفضح اهتراء البنية التحتية الصحية في هذه المناطق.
حمل بلا متابعة.. خطر مزدوج
تُعدّ المتابعة المنتظمة للحمل من أهم العوامل التي تضمن سلامة الأم والجنين. وفي غياب ذلك ، فإن العواقب الصحية خطيرة.
يوضح الدكتور المرعوي،المختص في أمراض النساء والتوليد، أن المرأة الحامل مطالبة بإجراء خمس كشوفات طبية أساسية تمتد من بداية الثلاثي الأول للحمل إلى غاية الشهر الأخير.
ويؤكد أن الفحوصات تُساعد على الكشف المبكر عن بعض الأمراض المرتبطة بالحمل، مثل ارتفاع ضغط الدم، وسكري الحمل، وفقر الدم، محذرا من أن عدم اكتشاف هذه المشاكل في المراحل الأولى من الحمل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، خاصة في الأسابيع الأخيرة، قد تُفضي إلى تسمم الحمل وتُهدد حياة الأم والجنين.
أما بالنسبة للمخاطر التي قد تطال الجنين، فيشير الدكتور المرعوي إلى أن عدم الكشف المبكر عن التشوهات الخلقية أو عن اضطرابات النمو خلال الثلاثي الأول من الحمل قد يخلق صعوبات كبيرة في المراحل المتقدمة، خاصة عند الولادة وهو ما قد يجعلها صعبة للغاية في الأشهر الأخيرة وقد يصل الأمر في بعض الحالات إلى فقدان الجنين.

رغم إلزامية المتابعة طوال فترة الحمل، فإنّ المرأة الريفية في صفاقس تُواجه عدة صعوبات تُعيق ذلك. وتظهر معطيات استقيناها من المدير الجهوي للصحة بصفاقس، الدكتور حاتم الشريف أن عدد العيادات التي أجرتها النساء الحوامل لدى القابلات خلال الثلاثية الأولى من الحمل بلغ 3411 عيادة سنة 2023، وشملت نساء من المناطق الريفية ومن وسط مدينة صفاقس، في حين سجّل عدد العيادات خلال الفترة نفسها من سنة 2024، تراجعا ليبلغ 3070 عيادة. أما بخصوص عدد النساء الحوامل اللواتي أجرين خمس عيادات متابعة خلال فترة ما قبل الولادة، فقد بلغ 2021 امرأة سنة 2023، مقابل 1847 امرأة سنة 2024.
من جهة أخرى، تُظهر معطيات تحصلنا عليها من مركز الصحة الإنجابية التابع للديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بصفاقس، تراجعا عاما في عدد النساء الحوامل اللواتي يقبلن على العيادات في السنوات الأخيرة، سواء خلال الأشهر الأولى من الحمل أو في بقية فترات المتابعة، إضافة إلى الحالات التي تم اكتشافها وتُعاني من مشاكل صحية أثناء الحمل.

الأسباب الإقتصادية في مقدمة العوائق أمام رحلة متابعة حمل
تواجه المرأة الريفية الحامل في صفاقس جملة من التحديات التي تُعيق متابعتها لحملها بانتظام نتيجة تداخل عوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية. وتُجسّد فريدة الحامل في شهرها السادس هذه المعاناة اليومية، فهي تعمل في جمع النفايات (البرباشة) بدخل محدود لا يتيح لها الوصول إلى خدمات طبية مختصة في أمراض النساء والتوليد، حيث يتراوح ما تجمعه فريدة يوميا بين 2 و7 دنانير، وهي تعمل ستة أيام في الأسبوع، ما يعني أن مدخولها الأسبوعي يتراوح بين 12 و42 دينارا. في المقابل، تبلغ تعريفة زيارة طبيب مختص في القطاع الخاص نحو 70 دينارا.

أرجعت سلمى بن حميدة، الأخصائية في علوم التوليد أسباب عدم قدرة المرأة الحامل الريفية على استكمال متابعة فترة الحمل إلى عدة أسباب من بينها العوامل الإقتصادية قائلة: " المرأة الحامل في المناطق الريفية تعمل غالبا في القطاع الفلاحي ولا تستطيع التغيب عن العمل لمتابعة حملها لأن ذلك يؤثر بشكل مباشر على دخلها اليومي، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في دعم الاقتصاد الأسري، فضلا على أنها تُعاني من نقص الإمكانيات التي تمكّنها من الوصول إلى المراكز الصحية، وتفتقر إلى التغطية الاجتماعية."
إلى جانب العوامل الاقتصادية، أكدت بن حميدة أن ضعف الوعي لدى الفتيات الريفيات المتزوجات، نتيجة الانقطاع المبكر عن التعليم يجعلهن غير مدركات لأهمية الفحوصات الطبية قبل الولادة وبعدها، معتبرة أن غياب الأعراض أثناء الحمل يدفع بعض النساء إلى الاعتقاد بعدم ضرورة المتابعة الطبية، في حين أن الفحص الدوري يمكّن من اكتشاف نحو 5% من الحالات التي قد تتعرض لمضاعفات مفاجئة خلال الحمل.
وأشارت الطبيبة أيضا إلى نقص التثقيف الصحي، خاصة فيما يتعلق بالوقاية من أمراض مثل السكري، وداء المقوسات (التوكسو)، وارتفاع ضغط الدم أثناء فترة الحمل، رغم وجود برامج وطنية للتوعية تشرف عليها وزارة الصحة وعدد من الجمعيات، معتبرة أنه كان من المفترض أن تُنفّذ هذه البرامج بصفة دورية وأن تشمل جميع المناطق، لا أن تقتصر على المدن فقط.
بين الريف والمدينة...الفجوة تتعمق في الخدمات الصحية
تُظهر البيانات الديموغرافية الأخيرة لولاية صفاقس الصادرة عن المعهد الوطني للإحصاء لسنة 2024 تحولات لافتة في الميزان السكاني، حيث سجلت الجهة التي تضم أكثر من مليون و47 ألف ساكن (ما يعادل 8.7% من إجمالي سكان تونس والمقدر ب11.972.169) تراجعاً طفيفاً في إجمالي عدد الولادات، ليتراجع من 12,079 مولودا في عام 2024 إلى 11,679 في عام 2025.
وعلى مستوى التوزع الجغرافي للمعتمديات، كشفت الأرقام عن تباين واضح في عدد الولادات بمعتمديات صفاقس والتي تبلغ 16 معتمديةـ، في ظل تركيبة سكانية متقاربة بين الجنسين (ذكور 49.2 بالمائة والاناث 50.8 بالمائة )، مما يزيد من التحديات الجديدة المتعلقة بتوفير الخدمات الصحية والاجتماعية لتتلاءم مع هذه التغيرات الديموغرافية المتسارعة بين مختلف المعتمديات.

وبخصوص عدد النساء اللواتي تابعن فترة الحمل بمراكز الصحة الأساسية في معتمديات صفاقس، تبُين المعطيات التي تحصلنا عليها من الإدارة الجهوية للصحة بصفاقس والتي اقتصرت على سنتين فقط من السنوات الخمس الأخيرة، نظرًا لعدم توفر معطيات كاملة بخصوص سنوات 2022 و2023 و2024، وجود فجوة بين معتمديات الجهة، حيث نجد أن عدد النساء الحوامل اللواتي قمن بعيادات مرتفعا، لكن عدد النساء اللواتي يكملن متابعة الحمل بمراكز الصحة الأساسية طيلة فترة الحمل قليل.


على المستوى الوطني، تُظهر بيانات المسح الوطني العنقودي متعدد المؤشرات لسنة 2023 أن 9.3 % من النساء بتونس لم يقمن بأية مراقبة صحية لفترة الحمل، مقارنة بعام 2018، حيث لا تتعدى هذه النسبة 4.5%. في المقابل، ارتفع معدل النساء اللواتي لم يراقبن الحمل في الأوساط الريفية من 3.3% سنة 2018 إلى 10.8% سنة 2023 أي بزيادة قدرها 7.5 نقطة مئوية، بينما يُقدّرعدد النساء في الأوساط الريفية بـ1.78 مليون امرأة.

نقص في عدد القابلات وتوزيع متفاوت لهن
تتم متابعة المرأة الحامل بالمناطق الريفية بولاية صفاقس عادة عبر منظومة تضم نوعين من القابلات، إذ تتولى مجموعة منهن تأمين حصص الاستمرار لمتابعة الولادة بمعتمديات صفاقس، في حين تتحول أخريات إلى مراكز الصحة الأساسية لإجراء الفحوصات الطبية الخاصة بمتابعة الحمل قبل الولادة وتتوزع على النحو التالي :

وفي قراءة لمعطيات توزيع القابلات في معتمديات ولاية صفاقس، اعتبر المدير الجهوي للصحة، حاتم الشريف أن عدد القابلات بالجهة كاف، موضحا أن وتيرة عمل القابلات في مراكز الصحة الأساسية تتحدد بناء على الكثافة السكانية لكل منطقة، حيث تتراوح بين عيادة واحدة وست عيادات في الأسبوع وأن المركز الصحي الذي يغطي ألفي نسمة، يوفر عيادة واحدة أسبوعيا، في حين تقدم المراكز التي تغطي 4 آلاف نسمة عيادات متعددة في الأسبوع .

في المقابل أكدت الأخصائية في علوم التوليد، سلمى بن حميدة أنه بناء على هذه المعطيات يُلاحظ غياب أو محدودية حصص الاستمرار وعيادات ما قبل الولادة في عدد هام من المعتمديات في ولاية صفاقس، وهو ما قد ينعكس سلبًا على متابعة الحوامل، خاصة في المناطق النائية.
تلعب القابلة في تونس دورا رئيسيا في الرعاية الصحية للمرأة الحامل، فهذه المهنة تتقدم جهود الخط الأول لرعاية الأم الحامل منذ بداية الحمل، من أجل توفير خدمات صحية آمنة والمتابعة لتسهيل الولادة.
وتظهر بيانات المعهد الوطني للإحصاء بتونس وجود 2776 قابلة بالبلاد التونسية، من ضمنهم 2171 قابلة في القطاع الصحي العمومي، في بلد تشكل فيه النساء نسبة 50.7 بالمئة من إجمالي عدد السكان يقدر بـ11.972.169 ألف نسمة.

في مقابل ذلك، توصي منظمة الصحة العالمية بتوفير 6 قابلات لكل 1000 مولود حي كحد أدنى لتأمين تغطية صحية للأمهات والمواليد، في حين بلغت كثافة القابلات في تونس 9.39 قابلة لكل 10.000 امرأة في سن الإنجاب (15-49 سنة).
في هذا السياق، تعتبر سميرة قلال، وهي قابلة تونسية عملت لأكثر من 30 عاما في هذا المجال كقابلة إشراف، مهمتها التنسيق بين الإدارات الجهوية للصحة وتنظيم عمل القابلات، أن الوضع الصحي للنساء الحوامل بتونس تراجع تقريبا منذ عام 2015، حيث شهدت المراكز الصحية الأساسية نقصا حادا في عدد القابلات، مبررة ذلك بأنه "مع كل مغادرة قابلة لمنصبها لا يتم تعويضها من قبل سلطة الإشراف".
أما فيما يخص تراجع معدل متابعة الحمل، توّضح قلال أن ذلك يُعدّ تغيرا في الوضع العام فيما يتعلق بالخط الأول للصحة، مُرجعة ذلك لعدة أسباب أهمها النقص الحاد في عدد القابلات، مما أثّر بشكل مباشر على المراقبة الصحية للمرأة الحامل.
وتشرح: "في فترات سابقة عند منح القابلة "عطلة عمل"، يتم تعويضها بقابلة أخرى بشكل آلي من أجل عدم تعطيل مهام مراقبة الحمل، أما الآن فقد اختلف الأمر، محذرة من خطر اختفاء مهنة القابلات في السنوات القادمة.
تحدثت كذلك عن تأثير إلغاء "العيادات المجانية" التي كانت متاحة للنساء الحوامل، نتيجة تراجع تمويلات الجهات المانحة للصحة، ونقص التجهيزات بالقطاع العمومي، فضلا عن غلق عدة مراكز صحة أساسية بعدة مناطق في البلاد.
من جهتها، تعتبر منيرة المحفوظي، رئيسة جمعية القابلات بتونس، والتي أحدثت منذ عام 1989، أن النساء في تونس بصفة عامة يتابعن فترة الحمل سواء في القطاع الصحي العمومي أو الخاص، "فالمهم هو مراقبة الأم لسلامة حملها بالطريقة التي تناسبها".
انخفاض عدد القافلات الصحية وغياب أطباء الاختصاص
على مستوى آخر، تُذكّر الطبيبة التونسية، سلمى الحجري والمختصة في الصحة الإنجابية، أن المنظومة الصحية العمومية اعتمدت استراتيجية "العيادات المتنقلة" (clinic mobile) خلال فترة التسعينات وما قبلها لتعزيز التغطية الصحية في المناطق الريفية والنائية بهدف تقريب الخدمات الصحية، لضمان حق التونسيين والتونسيات في رعاية صحية أساسية. وتشرح أن هذه "العيادات المتنقلة كانت تتوجه إلى المناطق النائية في أيام السوق الأسبوعية وتوفر خدمات توعية وأخرى علاجية للنساء بهذه المناطق البعيدة عن مراكز الصحة الأساسية".
ولكن في الوقت الراهن، لم تعد المنظومة الصحية العمومية تعتمد هذه الاستراتيجية للوصول إلى هذه الفئة من النساء في المناطق النائية حسب تعبيرها.
من جانبه، وضّح المدير الجهوي للصحة بصفاقس، حاتم الشريف أنه يتم تسيير قوافل صحية، بالتعاون مع الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري بمعدل مرة شهريا لتغطية المناطق البعيدة، مستبعدا إمكانية الإعتماد الكلي على القوافل الصحية الدورية لتأمين المتابعة الطبية للحوامل. وفسّر ذلك بوجوب خضوع المرأة الحامل لخمس عيادات منتظمة طيلة فترة الحمل، مما يطرح صعوبات لوجستية كبرى تتعلق بتوفر السيارات والأطباء المختصين والقابلات والوقت.
من ناحية أخرى، لفت الشريف إلى وجود عزوف لدى عدد من أطباء الاختصاص عن العمل في قطاع الصحة العمومية والمشاركة في القوافل الطبية. وفسّر ذلك بتفضيل هؤلاء الأطباء التوجه نحو العمل في القطاع الخاص.
في السياق ذاته، اعتبرت الأخصائية في علوم التوليد، سلمى بن حميدة أن غياب الإطار الطبي المختص بمتابعة الحوامل في المناطق الريفية بجهة صفاقس قد تصل مدته إلى أكثر من شهرين، مما يحدّ بشكل كبير من قدرة المرأة الريفية على النفاذ إلى الخدمات الصحية خلال فترة الحمل.

برنامج التنظيم العائلي.. إرث 50 عاما مالذي تغير؟
خمسون عاما مرّت على إحداث برنامج التنظيم العائلي الذي انطلق رسميا منذ 1966، في إطار سياسات الدولة لتنظيم النسل وتحقيق التوازن على مستوى النموّ الديموغرافي بين الجهات التونسية.
بناء على ذلك، لعب الديوان الوطني للأسرة والعمران البشري دورا هاما في تقريب خدمات مراكز الصحة الإنجابية من النساء، خاصة في المناطق الداخلية والريفية، حيث تم تنظيم قوافل صحية دورية مع مراكز طبية متنقلة، بهدف توعية النساء ببرنامج التنظيم العائلي.
في هذا السياق، تستذكر القابلة سميرة الفترة الذهبية للصحة الإنجابية بتونس أثناء فترة التسعينات، قائلة "كانت النساء يتمتعن بمجانية المراقبة الصحية من عيادة القابلة إلى الفحوصات التكميلية كالتحاليل الطبية، وتوفير الأدوية كأقراص الحديد وغيرها، والتي كانت متاحة بالمجان آنذاك للأم الحامل، بفضل البرنامج الوطني المدعوم من المنظمات الدولية".
ولفتت إلى أن برنامج "التنظيم العائلي" لم يعد له دور في المناطق الريفية والنائية، لتُصبح الدوائر الصحية (وحدات إدارية وتنظيمية هيكلية تابعة لوزارة الصحة) هي الجهة الرئيسية التي تتعامل مع مراكز الصحة الأساسية.
كذلك، ومنذ عام 1990، أُحدث البرنامج الوطني لسلامة الأم والوليد بتونس بهدف تقليص وفيات ومرض الأمهات والولدان والوقاية من الإعاقة الناتجة عن تعكرات الحمل أو الولادة. كما أن الاستراتيجية الوطنية لسلامة الأم والوليد (2020- 2024) قد حددت جملة من الأهداف والتدخلات لمعالجة الثغرات في الرعاية الصحية للأم، من ضمنها تحقيق تغطية نسبة 100% للنساء اللواتي قمن بـ 4 استشارات لعيادات ما قبل الحمل لأهميتها في التقصي المبكر عن المخاطر، مع توفير الحد الأدنى من المتابعة وتخفيض معدل وفيات الأمهات.
شخصت الإستراتيجية كذلك الصعوبات لتحقيق هذه الأهداف، مرجعة إياها إلى عدة عوامل، أهمها التفاوت الجهوي ونقص الامكانيات والخدمات الصحية، حيث يظهر نقص واضح في الكوادر الطبية فضلا عن ضعف التجهيزات والأدوية بمراكز الخط الأول.
إلى ذلك، لفتت الاستراتيجية إلى غياب تشريعات لفائدة الأم الحامل العاملة، فالقانون التونسي لا يمنح "عطلة ما قبل الولادة"، حيث تُعتبر أيام المتابعة الطبية "عطلا مرضية"، حينها تضطر بعض النساء العاملات في القطاع الخاص لإلغاء الفحص الطبي خشية اقتطاع أجرهن.
تواصلت معدتا التقرير مع الديوان الوطني للعمران البشري للأسرة للإطلاع على مستجدات الاستراتيجية الوطنية لسلامة الأم والوليد وخدمات الرعاية الصحية للأمهات الحوامل في المناطق الريفية، لكنهما لم تتلقيا أي رد حتى نشر هذه السطور.
مؤشر "وفيات الأمهات" منخفض رغم قلة مراقبة الحمل
تعتبر منيرة المحفوظي، رئيسة جمعية القابلات بتونس، أن "المؤشرات الأخيرة بشأن تزايد عدد النساء التونسيات اللواتي لا يتابعن فترة الحمل، ليست بـ "المؤشر المخيف"، بالنظر إلى مؤشر "وفيات الأمهات" المنخفض في تونس مقارنة بدول أخرى مجاورة. وهو الأمر الذي يؤكده الطبيب خالد ناجي رئيس قسم مركز التوليد والرضيع بمستشفى وسيلة بورقيبة، حيث لا ينظر إلى مؤشر 9.3% للنساء التونسيات اللاتي لم يتابعن الحمل كرقم مثير للقلق. برأيه، لا تعكس هذه الأرقام واقع صحة الأم في البلاد، "فالمرأة التونسية حريصة على سلامة حملها وطفلها"، لافتا إلى أن النموذج التونسي فيما يخص رعاية صحة الأم والطفل يُعدّ من أفضل النماذج على المستوى الإفريقي، بناءا على مؤشر "وفيات الأمهات".
ويذكر أن تونس " لا يتجاوز فيها عدد وفيات الأمهات، 36 حالة وفاة لكل 100,000 مولود، في حين يتخطى معدل وفيات الأمهات في دول إفريقية أخرى معدل 100 حالة وفاة".
هذا وتُعدّ تونس من الدول المصنفة عالمياً ضمن الفئات "المنخفضة" فيما يخص معدل وفيات الأمهات (أقل من 100 حالة وفاة)، حيث أظهرت بيانات منظمة الصحة العالمية تسجيل 36 حالة وفاة فقط في عام 2023.
بموازاة ذلك، لم تفلح تعهدات الدولة التونسية بتخفيض نسبة وفيات الأمّهات إلى حدود 14.9 لكل 100 ألف ولادة سنة 2030، وعليه وقع التعديل سنة 2018 إلى 18.7 لكل 100 ألف ولادة، بناء على نتائج عمليات المسح التي أظهرت عدم انخفاض المعدل من سنة لأخرى، وفق ما ورد بتقرير "مؤشرات وأهداف التنمية المستدامة المتعلقة بصحة الأم والمولود الجديد في أفق عام 2030.
للتذكير، فإن أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة هو خفض معدل وفيات الأمهات من 328 حالة وفاة لكل 100 ألف ولادة حية عام 2000، إلى أقل من 70 بحلول عام 2030.

ووفقا للطبيب خالد ناجي الذي يرأس، أيضا، الجمعية الإفريقية لأمراض النساء والتوليد، فقد أُجريت أكثر من 15 ألف ولادة بمستشفى وسيلة بورقيبة في 2015، في حين لم تجر سوى 9500 ولادة فقط سنة 2025، مؤكدا أن التراجع الكبير في معدل الإنجاب بتونس يتطلب توفير خدمات صحية بجودة أكبر للأم أثناء المراقبة في فترة ما قبل الولادة وما بعدها، بغاية تحقيق هدف أقل من 20 حالة وفاة للأمهات.

من جهتها، تؤكد هادية بلحاج، رئيسة جمعية "توحيدة بن الشيخ" أن التراجع في مجال الصحة عموما والرعاية الصحية للأم والطفل يعود إلى غياب إرادة سياسية حقيقية لتطوير النظام الصحي بشكل أفضل، مشيرة إلى أن تونس "لم تحقق الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة فيما يتعلق بتخفيض معدل وفيات الأمهات مقارنة بدول أخرى نجحت في هذا الأمر".
تراجع الإنفاق العمومي على الصحة في تونس
بموجب إعلان أبوجا بشأن فيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز والسل والأمراض المعدية الأخرى ذات الصلة، الذي وقعته تونس من بين دول إفريقية أخرى عام 2001، تعهدت كل دولة بتحسين مخصصات الصحة ضمن الميزانية العامة لتبلغ 15 بالمئة، غير أن الإنفاق العمومي على النظام الصحي بتونس لم يتعد الـ 6% من الميزانية.
انطلاقا من ذلك، تربط هادية بلحاج تدهور وضع صحة الأم بتونس بالسياسات العمومية في المجال الصحي، فالبلاد التونسية التي أولت اهتماما خاصا منذ فترة الستينات بقطاع الصحة، تراجع تركيزها عليه في السنوات الأخيرة، ويظهر ذلك من خلال انخفاض الميزانية المخصصة للقطاع الصحي التي لا تتجاوز حاليا 5% من الميزانية العامة.

"الحق في الصحة": حق دستوري غير مكفول
يضمن المشرع الحق في الصحة لكل تونسي وفق ما نص عليه الفصل 43 من دستور 2022 الذي جاء فيه:

على الرغم من أن الحق في الصحة حق يكفله الدستور التونسي لجميع التونسيين بلا استثناء، إلا أن الواقع لا يعكس ذلك في المناطق الريفية والداخلية التي ما تزال تعاني من هشاشة اقتصادية وتمييز مزدوج في الحق في الوصول إلى الخدمات والرعاية الصحية.
في هذا الصدد، تؤكد ثريا العنابي، المسؤولة في الـ"جمعية التونسية للدفاع عن الحق في الصحة"، حجم اللامساواة الكبير فيما يتعلق بالولوج إلى الخدمات الصحية، بناء على نتائج الدراسات والأبحاث حول الواقع الصحي في تونس، في ظل تدهور البنية التحتية الصحية وعدم تطور مرافق الصحة العمومية في السنوات الأخيرة.
وتؤكّد العنابي على تراجع خدمات "الخط الأول"، من نقص في التجهيزات الطبية وفي العنصر البشري، خاصة القابلات بمراكز الصحة، مما ينعكس على جودة الرعاية الصحية للأم الحامل بتونس.
بحسب مؤشر CEOWORLD لسنة 2025 لأفضل أنظمة الرعاية الصحية في العالم، والذي يشمل 110 دولة، تحتل تونس المركز 49 عالميا بـ39.4 نقطة، وهي الثالثة عربيا بعد كل من الإمارات التي تصدرت القائمة بحلولها في المركز 17 عالميًا بتقييم 52.3 نقطة، تلتها السعودية في المركز 37 عالميًا بـ44.4 نقطة.
وتظهر بيانات نوميبو عام 2026 لمؤشر الرعاية الصحية من حيث الجودة والكفاءة، وتوفير الخدمات أن تونس تحتل المرتبة الرابعة إفريقيا بـ56.6 نقطة، بينما تتصدر جنوب إفريقيا القائمة بـ64.0 نقطة، تليها كينيا بـ 62.2 نقطة ومن ثم غانا بـ57.0 نقطة.

ولمواجهة خلل بنية المنظومة الصحية العمومية بتونس، دعت العنابي إلى الالتزام بتحقيق التغطية الصحية الشاملة ( CSU) كبند أساسي لتحقيق العدالة الاجتماعية، من خلال إتاحة وصول جميع التونسيين إلى خدمات صحية أساسية، دون المرور لدفع تكاليف رعاية صحية تثقل جيوبهم.
وتعرف منظمة الصحة العالمية "التغطية الصحية الشاملة" بحصول جميع الأشخاص على المجموعة الكاملة من الخدمات الصحية الجيدة اللازمة متى وأينما يحتاجون إليها، دون تكبد صعوبات مالية.
بشكل عام، يجمع المختصون بوجود مشكلات هيكلية في المنظومة الصحية العمومية في تونس، على الرغم من التقدم الحاصل في المجال الصحي، مقارنة بدول المنطقة العربية والإفريقية.
حلول تتطلب إرادة حقيقة من قبل الدولة
لتجاوز النقص في الرعاية الصحية للنساء الحوامل في المناطق الريفية، تقترح الأخصائية في علوم التوليد، سلمى بن حميدة جملة من الإجراءات العملية منها، ضرورة تكثيف القوافل الصحية التحسيسية وقوافل التقصي المبكر، وتقريب الخدمات الطبية من هذه الفئة، عبر دعم الموارد البشرية في القطاع الصحي وتوفير الإطارات الطبية وشبه الطبية القادرة على تأمين الإحاطة اللازمة.
وأكدت بن حميدة على أهمية إدماج الجمعيات الناشطة في مجال الصحة الإنجابية ضمن هذه الجهود، لما لها من دور محوري في التوعية والمرافقة، بما يساهم في تحسين مستوى الإحاطة الصحية والنفسية بالمرأة الحامل في الوسط الريفي. وفي السياق ذاته، شدّدت على ضرورة تكثيف الحملات التوعوية الهادفة إلى نشر الثقافة الصحية، خاصة فيما يتعلق بأهمية إجراء خمس فحوصات طبية كاملة على الأقل خلال فترة الحمل، والتعريف بالبرنامج الوطني لمتابعة الحمل، مع إبراز دوره في الكشف المبكر عن المخاطر والمضاعفات التي قد تهدد صحة الأم والجنين.
اقترحت الطبيبة كذلك إقرار منحة مالية موجهة للمرأة الحامل في المناطق الريفية، بهدف مساعدتها على تغطية تكاليف العلاج والتنقل، بما يضمن استمرارية المتابعة الطبية في أفضل الظروف، ويحد من الانقطاع عن الرعاية الصحية لأسباب مادية، وهو ما من شأنه أن يساهم في تقليص نسب المخاطر المرتبطة بالحمل والولادة بالنسبة لهذه الفئات الهشة.
بدوره، شدّد المدير الجهوي للصحة بصفاقس، حاتم الشريف على ضرورة عودة العمل بالبرامج الوطنية للصحة وتفعيل دور القابلات بمراكز الصحة الأساسية في الجهة لتأمين المتابعة الدورية للمرأة الحامل، موضحا أن الإدارة الجهوية تعمل على استعادة ثقة النساء في منظومة الصحة العمومية، فضلا عن عودة توفير "الدفتر الأخضر" الذي يمثل وثيقة أساسية لتتبع مراحل الحمل، وذلك بعد انقطاعه بين سنتي 2013 و2018.
لا تبدو قصة فريدة وفاطمة مجرد حالات فردية بريف صفاقس بل تعكس خللا عميقا في المنظومة الصحية العمومية، على الرغم من "الحق في الصحة"، فخلف البيانات والأرقام يظهر حجم اللامساواة فيما يتعلق بالوصول إلى الخدمات والرعاية الصحية، رغم تقدم تونس أشواطا بهذا المجال في سنوات التسعينات.
تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة، "الحق في العلاج لم يعد مضمونا" لجميع النساء بكل أنحاء البلاد التونسية، لتُصبح الأمهات الحوامل ضحية أخرى لغياب سياسات عمومية صحية ناجعة، مما قد يُهدّد مسار "منظومة الرعاية الصحية" في تونس.
انجاز: بهيرة عوجي / سناء المحيمدي
