بعد تفعيلها في بورصة تونس... متى تتدخل آلية 'قاطع الدائرة' وما الهدف منها؟
وبينما أثار هذا الإجراء تساؤلات حول مدى خطورة ما حدث، يؤكد مختصون أن الأمر لا يعكس بالضرورة أزمة مالية، بقدر ما يمثل آلية وقائية معمولًا بها في كبرى الأسواق المالية العالمية للحد من التقلبات الحادة وحماية المستثمرين من قرارات البيع بدافع الذعر.
وقال الخبير الاقتصادي جمال الدين عويديدي، في تصريح لـديوان أف أم، إن تعليق التداول لم يكن قرارًا استثنائيًا أو نتيجة خلل في منظومة البورصة، وإنما هو إجراء ينص عليه النظام الداخلي لبورصة تونس، ويُفعّل تلقائيًا بمجرد بلوغ المؤشر نسبة تراجع محددة.
متى يتم تعليق التداول؟ وكيف تعمل آلية "قاطع الدائرة"؟
تعتمد بورصة تونس ما يعرف عالميًا بآلية "قاطع الدائرة" (Circuit Breaker)، وهي نظام رقابي يهدف إلى الحد من التقلبات الحادة التي قد تشهدها الأسواق المالية خلال جلسات التداول. وتُفعّل هذه الآلية في تونس عندما يتراجع المؤشر العام Tunindex بأكثر من 3 بالمائة خلال الحصة، حيث يتم تعليق التداول آليًا لمدة ساعة كاملة، تتوقف خلالها جميع عمليات البيع والشراء.
وخلال هذه الفترة، لا يُسمح بإبرام صفقات جديدة، ويُمنح المستثمرون والوسطاء الماليون فرصة لإعادة تقييم المعطيات الاقتصادية والمالية بعيدًا عن الضغوط النفسية وردود الفعل الانفعالية التي غالبًا ما ترافق الانخفاضات الحادة للأسعار.
وأوضح جمال الدين عويديدي، في تصريحه لـديوان أف أم، أن الهدف من هذه الآلية ليس منع تراجع الأسعار، وإنما الحد من البيع العشوائي الذي قد ينتج عن حالة هلع جماعي، بما يساعد على استعادة قدر من التوازن قبل استئناف التداول.
لماذا تعتمد البورصات العالمية هذه الآلية؟
لا تُعد تونس استثناءً في اعتماد هذا النظام، إذ تطبق آلية Circuit Breaker معظم الأسواق المالية الكبرى، من بينها بورصة نيويورك (NYSE) وناسداك (NASDAQ)، إضافة إلى عدد من البورصات الأوروبية والآسيوية.
وجرى تطوير هذه الآلية بشكل واسع بعد انهيار الأسواق العالمية سنة 1987، المعروف بـ"الاثنين الأسود"، عندما تكبدت الأسواق خسائر قياسية في وقت وجيز بسبب موجات بيع جماعية متسارعة. وأظهرت تلك الأزمة أن استمرار التداول في ظل الذعر قد يفاقم الخسائر ويزيد من اضطراب الأسواق، ما دفع الهيئات الرقابية إلى اعتماد آليات توقف مؤقت تمنح السوق فرصة لامتصاص الصدمة والحد من التقلبات المفرطة.
وبذلك أصبحت آليات تعليق التداول جزءًا من منظومة إدارة المخاطر في الأسواق المالية الحديثة، وليس مؤشرًا في حد ذاته على وجود أزمة اقتصادية أو مالية.
هل ما حدث في بورصة تونس مؤشر على أزمة؟
يرى مختصون أن تفعيل آلية تعليق التداول لا يعني بالضرورة أن السوق يعيش أزمة هيكلية، بل يدل على أن حركة الأسعار بلغت مستوى يستوجب تطبيق الإجراءات الاحترازية المنصوص عليها قانونًا.
وأشار جمال الدين عويديدي، في تصريحه لـديوان أف أم، إلى أن ما حدث يمكن وصفه بـ"زوبعة في فنجان"، باعتبار أن التوقف كان مؤقتًا، واستأنفت البورصة نشاطها بعد ساعة بشكل طبيعي، كما تمكن المؤشر من تقليص جزء من خسائره قبل نهاية الحصة.
ويؤكد ذلك أن السوق استعادت جزءًا من توازنها بعد انتهاء فترة التوقف، وهو ما يعكس الدور الذي تؤديه هذه الآلية في تهدئة التداولات ومنع اتخاذ قرارات استثمارية متسرعة تحت تأثير الخوف.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للمستثمرين؟
يرى خبراء الأسواق المالية أن وجود آليات رقابية مثل Circuit Breaker يعزز ثقة المستثمرين أكثر مما يثير مخاوفهم، لأنها تؤكد أن السوق تخضع لقواعد واضحة للتعامل مع التقلبات الاستثنائية.
وأكد جمال الدين عويديدي، في تصريحه لـديوان أف أم، أن تعليق التداول لا يترك عادة تأثيرًا سلبيًا على الاستثمار، بل يعكس وجود منظومة رقابية تتدخل لحماية استقرار السوق عند الضرورة، وهو ما يُعد من الممارسات المعتمدة في الأسواق المالية المتقدمة. وفي تونس، ورغم أن هذه الآلية موجودة منذ سنوات ضمن نظام عمل البورصة، فإن تفعيلها يبقى نادرًا لارتباطه بوصول السوق إلى مستوى معين من التراجع.
وقد شهدت السوق حالات اضطراب مماثلة خلال الثورة سنة 2011، وكذلك أثناء أزمة كوفيد-19 سنة 2020، عندما عرفت الأسواق المالية العالمية والمحلية تقلبات حادة استوجبت اتخاذ إجراءات لحماية استقرار السوق.
وفي المحصلة، يبرز تعليق التداول كأداة لإدارة المخاطر أكثر من كونه إشارة إلى أزمة مالية. فالمؤشر الأهم بالنسبة للمستثمرين لا يتمثل في تفعيل هذه الآلية في حد ذاته، وإنما في قدرة السوق على استعادة توازنها بعد انتهاء فترة التوقف، وهو ما حدث بالفعل خلال جلسة 28 جويلية، عندما استأنفت البورصة نشاطها بصورة عادية وقلصت جزءًا من خسائرها.
*نور الفارسي

