في "مرايا الفنون" بالقلعة الكبرى: «قيامة شكسبير»..مواجهة بين الخيال والواقع
ينتمي العمل إلى تجربة مسرحية مختلفة، اختار من خلالها المخرج والكاتب عبد الله حميدات إعادة قراءة عالم شكسبير من زاوية معاصرة. فبدلاً من الاكتفاء بتقديم الشخصيات المعروفة في التراجيديات الكلاسيكية، جمع العرض بينها داخل فضاء واحد، ومنحها فرصة التعبير عن غضبها ورفضها للمصائر التي رسمها لها مؤلفها.
تقوم الفكرة الأساسية على تخيل عودة شكسبير إلى عالم شخصياته، حيث يجد نفسه في مواجهة أبطال صنعهم من الألم والصراع والحب والخيانة. وتتحول هذه المواجهة إلى محاكمة رمزية للفنان، وللسلطة عموماً، حين تصنع مصائر الآخرين ثم تتخلى عن مسؤوليتها تجاههم.
لم يتعامل العرض مع نصوص شكسبير باعتبارها أعمالاً تنتمي إلى الماضي فحسب، بل حاول ربطها بالتحولات التي يعيشها العالم اليوم. فالصراعات الدرامية القديمة بدت انعكاساً لحروب معاصرة، ولأنظمة تتحكم في الشعوب، ولأفراد يجدون أنفسهم ضحايا قرارات لا يملكون القدرة على تغييرها.
ومن خلال شخصية شايلوك التي جسدها المخرج عبد الله حميدات، قدم العرض تصوراً لقوة غير مرئية تتحرك في الخفاء، وتؤثر في مسار الأحداث دون أن تتحمل نتائجها مباشرة. وقد أضفى هذا الحضور بعداً سياسياً على العمل، وجعل من المسرح فضاءً للتساؤل حول الجهات التي تصنع النزاعات وتعيد توزيع أدوار الضحايا والجلادين.
شارك في العرض عدد من الممثلين الذين تولوا تجسيد شخصيات شكسبيرية متعددة، من بينهم كريم الحزامي، ورؤوف بن رمضان، ومحمد علي سرحان، والحبيب سليم. وقد نجح الممثلون في خلق تفاعل واضح بين الشخصيات، رغم اختلاف أصولها الدرامية وانتمائها إلى أعمال متباينة.
واعتمد العرض على أداء يقوم على التوتر والحوار المكثف، مع الانتقال بين لحظات الصدام والتأمل، وهو ما ساعد على المحافظة على انتباه الجمهور طوال مدة العرض.
جاءت العناصر البصرية بسيطة، لكنها حملت إشارات متعددة. فقد تحولت الخشبة إلى فضاء يشبه الذاكرة أو بقايا مكتبة قديمة، بينما بدت الأوراق المتناثرة كرمز للنصوص التي خرجت شخصياتها من بين السطور لتطالب بحريتها.
كما حضرت الحقيبتان بوصفهما علامتين على السفر والرحيل والبحث عن مصير جديد، بما ينسجم مع أجواء العرض القائمة على الانتقال بين الحياة والموت، وبين الحقيقة والخيال.
وفي نهايته، لم يمنح العمل شخصياته انتصاراً كاملاً، بل أبقاها معلقة بين التمرد والهزيمة، وبين الرغبة في التحرر واستمرار القوى التي صنعت مأساتها. وبذلك حافظ العرض على طابعه المفتوح، تاركاً المتفرج شريكاً في تأويل الأحداث والبحث عن إجابات لأسئلة تتجاوز حدود المسرح.

