لماذا أصبحت الكهرباء في تونس أزمة وطنية؟
منظومة بُنيت منذ الاستقلال... ونجحت في تعميم الكهرباء
شهد قطاع الكهرباء في تونس تحولًا جذريًا بعد إحداث الشركة التونسية للكهرباء والغاز (الستاغ) سنة 1962، إثر توحيد إنتاج الكهرباء ونقلها وتوزيعها ضمن مؤسسة عمومية واحدة. ووفق المعطيات التاريخية التي نشرتها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، لم تكن نسبة التغطية الكهربائية آنذاك تتجاوز 21%، بينما لم تتعد في المناطق الريفية 6%.
وخلال أكثر من ستة عقود، توسعت الشبكة الكهربائية لتغطي كامل البلاد تقريبًا، حيث بلغت نسبة التغطية العامة 99.8%، فيما ارتفعت القدرة الكهربائية المركبة إلى نحو 6 آلاف ميغاواط، وتجاوز عدد حرفاء الشركة أربعة ملايين مشترك، وفق آخر البيانات الصادرة عن الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وهو ما يجعل التجربة التونسية من أنجح تجارب كهربة الأرياف في المنطقة.
كيف وصلت المنظومة إلى الأزمة؟
رغم هذا التطور، أصبحت المنظومة الكهربائية تواجه تحديات متراكمة، أبرزها الاعتماد الكبير على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء. ووفق تقرير الوضع الطاقي لشهر ماي 2026 الصادر عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم، يساهم الغاز الطبيعي بحوالي 92% من إنتاج الكهرباء في تونس، ما يجعل القطاع شديد التأثر بأي تراجع في الإنتاج المحلي أو ارتفاع في أسعار الغاز المستورد.
وتشير بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم إلى أن الإنتاج الوطني من الغاز الطبيعي شهد تراجعًا خلال السنوات الأخيرة، في مقابل ارتفاع متواصل في الطلب على الكهرباء بفعل النمو السكاني والتوسع العمراني والاعتماد المتزايد على أجهزة التكييف، خاصة خلال موجات الحر.
كما تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز ضغوطًا مالية متزايدة، نتيجة ارتفاع كلفة إنتاج الكهرباء واستيراد الغاز، إلى جانب منظومة الدعم وتراكم الديون، وهو ما حدّ من قدرتها على الاستثمار في محطات إنتاج جديدة وتجديد الشبكات وصيانتها بالنسق المطلوب، الأمر الذي انعكس على جاهزية المنظومة خلال فترات الذروة.
صيف 2026... اختبار صعب للشبكة الكهربائية
فرضت درجات الحرارة القياسية خلال صيف 2026 ضغطًا استثنائيًا على الشبكة الكهربائية، ما دفع الشركة التونسية للكهرباء والغاز إلى اعتماد عمليات قطع مبرمجة للتيار في بعض المناطق لتخفيف الأحمال وحماية الشبكة من انقطاع شامل (Blackout). وأكدت الشركة أن هذه الإجراءات تبقى استثنائية، مع استثناء المستشفيات والمنشآت الحيوية من الانقطاعات.
ووفق تقرير الوضع الطاقي لشهر ماي 2026 الصادر عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم، ارتفع الإنتاج الوطني للكهرباء بنسبة 6% خلال الأشهر الخمسة الأولى من سنة 2026 مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025. ورغم ذلك، واصلت الواردات، خاصة من الجزائر، تغطية حوالي 9% من حاجيات السوق المحلية، بما يعكس استمرار حاجة المنظومة الوطنية إلى الاستيراد خلال فترات الذروة. كما بقيت الشركة التونسية للكهرباء والغاز المنتج الرئيسي للكهرباء بحصة تناهز 91% من الإنتاج الوطني، وفق المصدر ذاته.
هل تمثل الطاقات المتجددة المخرج؟
تراهن تونس على الطاقات المتجددة لتقليص اعتمادها على الغاز وتعزيز أمنها الطاقي. ووفق الاستراتيجية الوطنية للانتقال الطاقي التي وضعتها وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، تستهدف البلاد رفع مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى 35% بحلول سنة 2030، ثم 50% في أفق 2035، وصولًا إلى 80% سنة 2050.
لكن تحقيق هذه الأهداف يبقى رهينًا بتجاوز عدة تحديات، من أبرزها تعبئة استثمارات ضخمة، وتطوير شبكة نقل الكهرباء، وإرساء حلول لتخزين الطاقة، وتسريع إنجاز مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تحسين النجاعة الطاقية والحد من نمو الطلب على الكهرباء.
وتشير أحدث بيانات المرصد الوطني للطاقة والمناجم إلى أن مساهمة الطاقات المتجددة في إنتاج الكهرباء ما تزال محدودة مقارنة بالأهداف المعلنة، وهو ما يؤكد أن الانتقال الطاقي يتطلب تسريع وتيرة إنجاز المشاريع المبرمجة، إلى جانب توفير التمويلات اللازمة وتحديث البنية التحتية للشبكة الكهربائية.
في المحصلة لا تبدو أزمة الكهرباء في تونس مرتبطة بسبب واحد، بل هي نتيجة تراكمات امتدت لسنوات، تشمل تراجع الموارد المحلية من الغاز، وارتفاع الطلب على الكهرباء، والضغوط المالية التي تواجهها الشركة التونسية للكهرباء والغاز، وتأخر إنجاز عدد من مشاريع الإنتاج والطاقات المتجددة، وفق معطيات المرصد الوطني للطاقة والمناجم ووزارة الصناعة والمناجم والطاقة.
وبينما تمتلك تونس إمكانات واعدة في مجال الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، فإن نجاحها في إنتاج 80% من كهربائها من المصادر المتجددة بحلول سنة 2050 لن يتوقف على وضع الاستراتيجيات فقط، بل على تحويلها إلى استثمارات ومشاريع منجزة على أرض الواقع، بما يعزز الأمن الطاقي ويحد من هشاشة المنظومة الكهربائية أمام الأزمات المستقبلية.
نــور فــارسي

