ماذا نعرف عن مصانع تربية الذباب الأسود في العالم؟
الذباب الجندي الأسود نوع من الحشرات يختلف عن الذباب المنزلي الشائع، ولا يُعرف بأنه ناقل رئيسي للأمراض إلى الإنسان. وتكمن أهميته الاقتصادية أساسا في يرقاته، التي تتميز بقدرتها على استهلاك كميات من المواد العضوية وتحويل جزء منها إلى كتلة حيوية غنية بالبروتينات والدهون.
وتعتمد المصانع المتخصصة على دورة إنتاج تبدأ بتكاثر الحشرات البالغة وجمع بيضها، ثم تربية اليرقات داخل حاويات مخصصة تتغذى فيها على مواد عضوية محددة. وبعد اكتمال نموها، تُجمع اليرقات وتُعالج لاستخراج مسحوق بروتيني وزيوت تُستعمل خصوصاً في صناعة أعلاف الأسماك والدواجن والحيوانات الأليفة، فيما يمكن تثمين المخلفات المتبقية لإنتاج أسمدة عضوية بعد إخضاعها للمعالجة المناسبة.
وتُعد فرنسا من البلدان التي استثمرت في هذه الصناعة، من خلال شركة «إنوفافيد» التي طورت منشأة صناعية كبيرة في شمال البلاد. كما تنشط شركة «بروتيكس» الهولندية في إنتاج مكونات الأعلاف المستخرجة من يرقات الذباب الجندي الأسود، إلى جانب مشاريع مماثلة في آسيا وأمريكا الشمالية وإفريقيا.
وفي المقابل، أظهرت التجربة الأوروبية أن التوسع في صناعة بروتينات الحشرات لا يضمن بالضرورة النجاح الاقتصادي، إذ واجهت بعض الشركات صعوبات مالية وإنتاجية، من بينها شركة «ينسكت» الفرنسية التي كانت متخصصة أساساً في تربية يرقات الخنافس، قبل أن تتعرض للإفلاس سنة 2025.
وفي إفريقيا، تدعم منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مشاريع لاستغلال يرقات الذباب الجندي الأسود في معالجة النفايات العضوية وإنتاج الأعلاف والأسمدة، ومن بينها مشروع في أبيدجان بالكوت ديفوار، يهدف إلى الحد من التلوث ودعم الإنتاج الفلاحي المحلي وخلق فرص عمل.
ما المنافع البيئية والاقتصادية لهذه المصانع؟
تتمثل أبرز المنافع المحتملة لمصانع الذباب الأسود في تقليص كميات المخلفات العضوية الموجهة إلى المصبات، عبر تحويل جزء منها إلى مواد ذات قيمة اقتصادية، وهو ما يمكن أن يخفف الضغط على منظومات التصرف في النفايات ويحد من بعض الانبعاثات الناتجة عن تحلل المواد العضوية.
وتتميز يرقات الذباب الجندي الأسود بقدرتها على استغلال أنواع مختلفة من المخلفات، بما فيها بعض بقايا الصناعات الغذائية والأسواق والمطاعم، وفق الشروط الصحية والتشريعية المعمول بها. كما يمكن للبروتينات المستخرجة منها أن توفر مصدراً إضافياً لتغذية الحيوانات، بما قد يساهم في تقليص الاعتماد على مسحوق السمك والصويا، اللذين يرتبط إنتاجهما بضغوط متفاوتة على الموارد الطبيعية والأراضي الزراعية.
ومن المزايا الأخرى لهذه الصناعة إمكانية تربية أعداد كبيرة من الحشرات داخل منشآت مغلقة وعلى مساحات محدودة نسبياً، فضلاً عن إنتاج مواد يمكن استعمالها لتحسين خصوبة التربة، شريطة احترام المعايير الصحية والبيئية.
غير أن اعتبار هذه المصانع صديقة للبيئة بصورة مطلقة لا يستند إلى تقييم علمي شامل، إذ تختلف فوائدها الفعلية بحسب مصدر المواد المستخدمة في تغذية اليرقات، وكميات الطاقة المستهلكة في التدفئة والتهوية والتجفيف، إضافة إلى عمليات النقل والمعالجة.
وقد تتراجع المكاسب البيئية إذا اعتمدت المصانع على مواد زراعية يمكن توظيفها في استعمالات أخرى، بدلاً من تثمين المخلفات، أو إذا تطلب تشغيلها استهلاكاً مرتفعاً للطاقة. كما أن إنتاج الأعلاف من الحشرات لا يلغي تلقائياً الآثار البيئية المرتبطة بتربية الحيوانات.
وتؤكد الأبحاث العلمية أهمية تقييم دورة الإنتاج كاملة، من جمع المواد العضوية إلى تصنيع المنتجات النهائية، قبل الجزم بأن هذه التكنولوجيا أقل تلويثاً أو أكثر استدامة من البدائل التقليدية.
هل تشكل مصانع الذباب الأسود خطراً على البيئة وصحة الإنسان؟
رغم المنافع المحتملة، تطرح تربية الذباب الجندي الأسود على نطاق صناعي جملة من المخاطر التي تستوجب الرقابة، وفي مقدمتها احتمال تراكم بعض الملوثات الكيميائية داخل اليرقات، خاصة عندما تحتوي المواد المستخدمة في تغذيتها على معادن ثقيلة أو مبيدات أو مركبات ضارة.
وتشير دراسات علمية إلى إمكانية تراكم بعض العناصر، على غرار الكادميوم والزرنيخ، داخل اليرقات بنسب تختلف بحسب طبيعة المواد التي تتغذى عليها وظروف التربية. ويثير ذلك تساؤلات بشأن سلامة الأعلاف المنتجة واحتمال انتقال بعض الملوثات إلى الحيوانات، ومنها إلى السلسلة الغذائية، إذا لم تُحترم الحدود الصحية المسموح بها.
غير أن وجود ملوثات محتملة لا يعني بالضرورة حدوث أضرار صحية لدى الإنسان، إذ يتوقف مستوى الخطر على نوع المادة وتركيزها ودرجة التعرض لها ومدى انتقالها عبر المنتجات الغذائية. ولذلك، فإن تقييم هذه المخاطر يتطلب تحاليل مخبرية ورقابة منتظمة، وليس الاكتفاء بالافتراضات.
وتشمل المخاطر الصحية أيضاً احتمال وجود كائنات مجهرية ممرضة في المواد العضوية المستخدمة لتغذية اليرقات أو في المنتجات الناتجة عن تربيتها، خاصة عند غياب شروط النظافة والمعالجة الحرارية والتخزين السليم. ورغم قدرة اليرقات على خفض أعداد بعض الجراثيم في ظروف معينة، فإنها لا تضمن القضاء على جميع مسببات الأمراض.
كما تثير البروتينات المستخرجة من الحشرات مسألة الحساسية لدى بعض الأشخاص، لا سيما عند التعرض المباشر لها أو استهلاك منتجات غذائية تحتوي عليها. وتختلف هذه المخاطر بحسب طبيعة التعرض، مع ضرورة التمييز بين المنتجات المخصصة لتغذية الحيوانات وتلك المعدة للاستهلاك البشري.
أما على المستوى البيئي، فقد يؤدي سوء التصرف في المخلفات المتبقية من التربية إلى انبعاث روائح غير مرغوبة أو حدوث تلوث موضعي، خصوصا في غياب المعالجة المناسبة. كما تستوجب هذه المنشآت إجراءات للحد من تسرب الحشرات إلى المحيط الخارجي والتصرف الآمن في المياه المستعملة والمخلفات العضوية.
وفي المقابل، لا تتوفر أدلة علمية كافية تسمح باعتبار مصانع الذباب الجندي الأسود خطراً مباشراً على صحة السكان بمجرد وجودها بالقرب من المناطق السكنية، مثلما لا يمكن الجزم بانعدام المخاطر في جميع الظروف. فمستوى السلامة يرتبط أساساً بطبيعة المنشأة والمواد المستخدمة ومدى احترام المعايير الصحية والبيئية.
وبالنسبة إلى تونس، التي تواجه تحديات مرتبطة بالتصرف في النفايات العضوية وارتفاع كلفة الأعلاف وضغوط الإنتاج الفلاحي، يمكن النظر إلى هذه التكنولوجيا باعتبارها أحد الحلول الممكنة لتثمين الموارد، دون اعتبارها بديلاً شاملاً للمنظومة التقليدية للتصرف في النفايات.
غير أن اعتمادها على نطاق صناعي يستوجب دراسات جدوى مستقلة وتقييماً مسبقاً للأثر البيئي والصحي، إلى جانب تحديد المواد المسموح باستعمالها في تغذية اليرقات وضبط معايير جودة الأعلاف والأسمدة الناتجة وإخضاع المنشآت لرقابة دورية.
وبين الوعود الاقتصادية والبيئية والمخاطر الصحية المحتملة، يبقى نجاح مصانع الذباب الأسود رهين قدرتها على تحقيق فوائد قابلة للقياس، دون نقل التلوث من النفايات إلى الأعلاف أو التربة أو السلسلة الغذائية. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تربية ملايين الحشرات، بل في ضمان تحويل المخلفات إلى موارد آمنة ومستدامة ومجدية اقتصاديا.
المصدر: (مواقع عالمية+ وكالات + دراسات)
كاتب المقال La rédaction

