بعد انسحاب الإمارات وتلويح العراق بالمغادرة.. هل تواجه أوبك خطر الانهيار؟
وتثير هذه التطورات تساؤلات واسعة حول مستقبل المنظمة التي لعبت لعقود دوراً محورياً في ضبط أسواق النفط العالمية والتأثير في الأسعار.
وتأتي الأزمة في وقت تواجه فيه أسواق الطاقة العالمية تحولات متسارعة، مع صعود الولايات المتحدة كأحد أكبر المنتجين عالمياً، وتزايد المنافسة من الدول غير الأعضاء في أوبك، فضلاً عن الخلافات المتنامية داخل المنظمة حول سياسات الإنتاج والحصص النفطية.
من منظمة تقود السوق إلى تكتل يواجه التحديات
تأسست منظمة أوبك سنة 1960 في بغداد على يد خمس دول هي العراق والسعودية والكويت وإيران وفنزويلا، بهدف تنسيق السياسات النفطية للدول المنتجة والحفاظ على استقرار الأسواق. وعلى مدى عقود، تمكنت المنظمة من لعب دور مؤثر في تحديد مستويات الإنتاج والأسعار العالمية للنفط.
ورغم تراجع نفوذها مقارنة بسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، لا تزال أوبك تملك ثقلاً كبيراً في سوق الطاقة. فالدول الأعضاء تمتلك نحو 1.24 تريليون برميل من الاحتياطات النفطية المؤكدة، أي ما يقارب 80 بالمئة من الاحتياطات العالمية، كما تمثل نسبة مهمة من إنتاج وصادرات النفط العالمية.
إلا أن السنوات الأخيرة شهدت سلسلة من الانسحابات والخلافات. غادرت قطر المنظمة عام 2019، ثم الإكوادور في 2020، وأنغولا في 2024، قبل أن تشكل الإمارات أحدث وأكبر المنسحبين من أوبك من حيث القدرة الإنتاجية.
لماذا انسحبت الإمارات ولماذا يهدد العراق بالمغادرة؟
بررت الإمارات قرارها بالسعي إلى اتباع سياسة نفطية أكثر استقلالية تتناسب مع قدراتها الإنتاجية المتزايدة وخططها لتوسيع استخراج النفط خلال السنوات المقبلة. وتعد الإمارات من أكبر المنتجين في المنطقة، وقد اعتبرت أن قيود الإنتاج التي تفرضها أوبك لم تعد تتوافق مع مصالحها الاقتصادية طويلة الأمد.
أما العراق، ثاني أكبر منتج داخل أوبك بعد السعودية وأحد الأعضاء المؤسسين للمنظمة، فيطالب برفع حصته الإنتاجية بشكل كبير. وتقول بغداد إن قدراتها الإنتاجية الفعلية أعلى بكثير من الحصص الممنوحة لها، وإنها تحتاج إلى زيادة الصادرات النفطية لمواجهة الضغوط الاقتصادية وتمويل إعادة الإعمار والاستثمارات في قطاع الطاقة.
ورغم أن وزارة النفط العراقية أكدت أن الانسحاب ليس قراراً مطروحاً حالياً، فإن مسؤولين عراقيين شددوا على أن جميع الخيارات تبقى مطروحة إذا لم تتم الاستجابة لمطالب بغداد بشأن الحصص الإنتاجية. ويكتسب هذا التهديد أهمية خاصة لأن العراق ليس مجرد عضو عادي، بل أحد مؤسسي المنظمة وأكبر منتج فيها بعد السعودية.
ماذا يعني انهيار أوبك للأسواق العالمية؟
يرى خبراء الطاقة أن خروج العراق، إذا حدث فعلاً، قد يمثل ضربة استراتيجية لأوبك تفوق تأثير انسحاب الإمارات، نظراً لحجم الإنتاج العراقي ومكانته التاريخية داخل المنظمة. كما قد يشجع دولاً أخرى على المطالبة بمزيد من الاستقلالية أو إعادة النظر في عضويتها.
وفي حال فقدت أوبك قدرتها على تنسيق مستويات الإنتاج بين أعضائها، فقد تدخل سوق النفط مرحلة جديدة من المنافسة المفتوحة بين المنتجين. ويعني ذلك احتمال زيادة المعروض النفطي عالمياً، ما قد يؤدي إلى ضغوط نزولية على الأسعار، خصوصاً إذا سارعت الدول المنتجة إلى رفع إنتاجها لتعويض خسائر الإيرادات أو تعزيز حصتها السوقية.
كما أن تراجع نفوذ أوبك سيعزز من وزن المنتجين خارج المنظمة، وعلى رأسهم الولايات المتحدة، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة لاعباً أساسياً في سوق النفط العالمية، إلى جانب دول أخرى ضمن تحالف أوبك+.
ورغم خطورة المؤشرات الحالية، يرى عدد من المحللين أن الحديث عن انهيار كامل للمنظمة ما يزال سابقاً لأوانه. فالسعودية والكويت وإيران وعدداً من الأعضاء الرئيسيين ما زالوا ينظرون إلى أوبك باعتبارها أداة ضرورية لحماية مصالح المنتجين والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في الأسواق النفطية. إلا أن الأزمة الحالية تكشف بوضوح أن المنظمة تواجه اختباراً تاريخياً قد يعيد رسم خريطة النفوذ في قطاع الطاقة العالمي خلال السنوات المقبلة.
