ديون تونس : هل تتحول من عبء مالي إلى استثمارات؟
وتُعد هذه الخطوة من أبرز المستجدات في السياسة المالية للحكومة، خاصة في ظل أزمة تمويل خانقة وتراجع هامش الاقتراض التقليدي.
آلية مبتكرة… لكن بحدود واضحة
أكدت رئيسة الحكومة خلال الجلسة أن تحويل الديون الخارجية إلى استثمارات مباشرة يُعد من أهم الآليات المتاحة في إطار التعاون الثنائي، لما يوفّره من مرونة في الإجراءات وتخفيف مباشر من خدمة الدين، مشددة على أن تونس ستختار مشاريعها وفق أولوياتها الوطنية وتوجيهات رئيس الجمهورية.
غير أن الخبير الاقتصادي معز السوسي حذّر من المبالغة في سقف الانتظارات، مؤكدًا أن الدولة لا يمكنها تقنيًا تحويل كل ديونها الخارجية إلى مشاريع، بل فقط جزء محدود منها.
وأوضح أن الديون الخارجية تنقسم إلى ثلاثة أصناف:
• قروض متعددة الأطراف، وعلى رأسها ديون البنك الدولي، وتمثل نحو 63% من إجمالي الديون، وهي غير معنية بالتحويل.
• ديون الأسواق المالية في شكل سندات، وتمثل حوالي 14%، وهي بدورها خارج هذا الإطار.
• التعاون الثنائي بين الدول، ويمثل قرابة 22% من مجموع الديون، وهو المجال الوحيد الممكن فعليًا لتطبيق هذه الآلية.
وبحسب أرقام سنة 2023 التي قدّمها السوسي، فإن أكبر الدائنين الثنائيين لتونس هم ألمانيا (2972 مليون دينار)، تليها فرنسا (2570 مليون)، ثم السعودية (2473)، فالجزائر (1949)، فاليابان (1302) وإيطاليا (1280)، إلى جانب بقية الدول مجتمعة بـ1562 مليون دينار.
تجارب سابقة في تونس ونماذج دولية
تجربة تونس في هذا المجال ليست جديدة بالكامل ، فقد أبرم أول اتفاق مع إيطاليا في ديسمبر 2016 بقيمة 25 مليون أورو لفائدة المناطق الأكثر حرمانًا، كما تم توقيع اتفاق مع فرنسا بين 2016 و2017 شمل تمويل المستشفى الجهوي بقفصة بـ60 مليون أورو، إضافة إلى 30 مليون أورو للتعليم والتكوين.
دوليًا، اعتمدت دول مثل مصر والأردن وإندونيسيا هذا النموذج، خاصة في مشاريع المناخ والطاقة المتجددة. ففي إندونيسيا، تم تحويل جزء من الديون الألمانية إلى برامج لحماية الغابات، بينما وجّهت مصر جزءًا من ديونها مع إيطاليا وألمانيا إلى مشاريع الطاقة الشمسية والنقل المستدام.
غير أن أغلب هذه التجارب أظهرت أن نجاح الآلية مرتبط بقدرة الدولة على إعداد مشاريع جاهزة تقنيًا، ووجود أجهزة متابعة صارمة، وإلا تتحول العملية إلى تمويل محدود الأثر مقابل كلفة إدارية مرتفعة.
بين الفرصة والسيادة التنموية
استعرض وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ خلال المجلس قائمة أولية من المشاريع المقترحة تشمل قطاعات الصحة، الفلاحة، البنية التحتية، التكنولوجيا، النقل، التطهير، الطاقات المتجددة، الأمن المائي والغذائي، إضافة إلى برامج الإدماج الاجتماعي.
لكن معز السوسي شدد في المقابل على أن هذه الآلية تتطلب جاهزية فنية عالية ودراسات دقيقة، مع تحديد واضح لنوعية المشاريع وحاجتها الحقيقية للتمويل، معتبرًا أن الإشكال لا يكمن فقط في توفر الديون القابلة للتحويل، بل في قدرة الدولة على إنجاز مشاريع ذات جدوى فعلية.
وأشار أيضًا إلى أن هذه الديون غالبًا ما تكون مكلفة من حيث الدراسات والمتابعة، في حين يكون حجم التمويل محدودًا نسبيًا، ما يطرح سؤال النجاعة الاقتصادية.
آفاق مفتوحة… بشروط
في ختام المجلس، أوصت الحكومة بمواصلة التفاوض مع الشركاء الدوليين لتفعيل آلية تحويل الديون نحو مشاريع ذات أولوية وطنية، بما يعزز النمو ويخلق فرص شغل.
غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في عدد الاتفاقيات، بل في مضمونها: هل ستتحول هذه الآلية إلى أداة استراتيجية لإعادة توجيه السياسة التنموية؟ أم ستبقى حلولًا جزئية ذات أثر رمزي في مواجهة أزمة مالية هيكلية؟
في المحصلة، لا تمثل آلية تحويل الديون حلًا جذريًا لأزمة المديونية التي تعيشها تونس، لكنها قد تشكل أداة مساندة ضمن سلة أوسع من الإصلاحات المالية والمؤسساتية. فنجاعة هذه المقاربة تبقى رهينة قدرة الدولة على إعداد مشاريع قابلة للتنفيذ، وضمان شفافية الحوكمة، وربط التمويل بنتائج ملموسة، حتى لا يتحول تحويل الديون إلى مجرد إجراء تقني محدود الأثر في مواجهة أزمة أعمق.
نور الفارسي

