كيف ارتفعت صادرات الطاقة بـ38% بينما اتسع العجز الطاقي في تونس؟
وبحسب معطيات المرصد الوطني للطاقة والمناجم، بلغت قيمة الصادرات الطاقية نحو 1.574 مليار دينار، في حين بلغت قيمة الواردات حوالي 8.574 مليارات دينار، بعد ارتفاعها بنسبة 36% مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.
ونتيجة الفارق الكبير بين الصادرات والواردات، بلغ عجز الميزان التجاري الطاقي قرابة 7 مليارات دينار خلال النصف الأول من سنة 2026، مقابل 5.175 مليارات دينار خلال الفترة نفسها من سنة 2025، أي بارتفاع يناهز 35%.
ولم تتجاوز نسبة تغطية الواردات بالصادرات الطاقية 18%، وهو ما يعني أن كل 100 دينار من الواردات الطاقية تقابلها صادرات بقيمة 18 دينارا فقط.
وفي تفسيره لهذه المفارقة، أوضح الخبير الدولي في مجال الطاقة محمد رضوان الماجري، في تصريح لديوان أف أم، أن ارتفاع الصادرات بنسبة 38% يتعلق بنسبة النمو وليس بحجم الصادرات مقارنة بالواردات، مشيرا إلى أن حجم الواردات يظل أكبر بكثير.
وبيّن الماجري أن ضعف نسبة التغطية يعكس حجم ارتباط تونس بالخارج لتأمين حاجياتها الطاقية، إذ ان الصادرات لا تغطي سوى جزء محدود من قيمة الواردات.
موارد الطاقة تتراجع والطلب يرتفع
لا يقتصر الضغط على الميزان التجاري، إذ تكشف مؤشرات الإنتاج والاستهلاك بدورها عن اتساع الفجوة بين الموارد الوطنية وحاجيات البلاد.
فقد تراجعت الموارد الوطنية من الطاقة الأولية بنسبة 8% إلى حوالي 1.615 مليون طن مكافئ نفط إلى موفى جوان 2026، بينما ارتفع الطلب الجملي على الطاقة بنسبة 3% ليبلغ حوالي 4.744 ملايين طن مكافئ نفط.
كما ارتفع الطلب على المواد البترولية بنسبة 7% خلال النصف الأول من سنة 2026، مقابل تراجع الطلب على الغاز الطبيعي بنسبة 2%.
وتواصل في المقابل تراجع إنتاج النفط الخام، إذ بلغ معدله حوالي 25.4 ألف برميل يوميا إلى موفى جوان 2026، مقابل نحو 27 ألف برميل يوميا خلال الفترة نفسها من السنة الماضية.
وفي قراءة لهذه الأرقام، أكد محمد رضوان الماجري في حديثه لديوان أف أم أن تونس تواجه وضعا يتسم بتراجع الإنتاج الوطني مقابل ارتفاع الطلب، مقدرا الفجوة بين الموارد الوطنية والطلب بنحو 3.1 ملايين طن مكافئ نفط.
وأشار الخبير إلى أن هذا الاختلال يفسر تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية من حوالي 38% في جوان 2025 إلى 34% في جوان 2026، بما يعني أن الموارد الوطنية باتت تغطي قرابة ثلث حاجيات البلاد فقط، فيما يرتبط الجزء المتبقي بالمصادر الخارجية وسلاسل التوريد الدولية.
الاستقلالية عند 34%.. تونس أكثر ارتباطا بالخارج
يمثل تراجع نسبة الاستقلالية الطاقية أحد أبرز المؤشرات على حجم التحديات التي تواجهها تونس، خاصة مع اتساع الفارق بين ما تنتجه البلاد من موارد طاقية وما تحتاج إليه لتغطية استهلاكها.
وتجعل هذه الوضعية الاقتصاد الوطني أكثر ارتباطا بالأسواق الدولية وبأسعار الطاقة وكلفة التوريد، كما تزيد من أهمية مسألة الأمن الطاقي وقدرة البلاد على الحد تدريجيا من تبعيتها للمصادر الخارجية.
وتكشف الأرقام أيضا أن ارتفاع الصادرات بنسبة 38% لا يمكن قراءته بمعزل عن بقية المؤشرات، ذلك أن قيمة الصادرات تظل محدودة مقارنة بقيمة الواردات، بالتزامن مع انخفاض الموارد الوطنية وارتفاع الطلب.
الطاقات المتجددة.. جزء من الحل يتطلب شبكة أقوى واستثمارات أكبر
في مقابل تراجع الموارد التقليدية، تسجل الطاقات المتجددة تطورا ملحوظا، إذ بلغت القدرة الكهربائية المركزة من الطاقات المتجددة 1149 ميغاواط إلى موفى جوان 2026.
وأكد الماجري، لدى تطرقه للحلول الممكنة على ديوان أف أم، أن الطاقات المتجددة أصبحت جزءا من الحل الاقتصادي وليس البيئي فقط، لافتا إلى أن إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة ارتفع بنسبة 57%، وهو مؤشر وصفه بالإيجابي، رغم أن مساهمة هذه المصادر ما تزال محدودة مقارنة بالإنتاج الجملي للكهرباء في تونس.
ويرى الخبير أن الحاجة إلى الطاقة مرشحة لمزيد الارتفاع خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل تأثيرات الاحترار العالمي وارتفاع الطلب على الكهرباء، وهو ما يجعل كل كمية إضافية من الكهرباء المنتجة بواسطة مصادر نظيفة مساهمة في الحد من الضغط على المنظومة الطاقية.
كما شدد محمد رضوان الماجري، ضمن تصريحه للإذاعة، على الدور المحوري للشركة التونسية للكهرباء والغاز في الأمن الطاقي للبلاد، سواء على مستوى إنتاج الكهرباء أو إدارة الشبكة وتحقيق التوازن بين العرض والطلب.
واعتبر أن إنجاح الانتقال الطاقي يستوجب شبكة كهربائية أقوى، وقدرات أكبر على تخزين الطاقة، ومزيدا من الاستثمارات، بالتوازي مع التوسع في إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة.
وتؤكد مؤشرات النصف الأول من سنة 2026 أن التحدي الطاقي في تونس لا يتعلق بحجم الصادرات فقط، وإنما أساسا بالفجوة بين موارد وطنية آخذة في التراجع وطلب متزايد على الطاقة. وبين نسبة استقلالية لا تتجاوز 34% وعجز تجاري طاقي يقارب 7 مليارات دينار في ستة أشهر، يصبح تعزيز الإنتاج المحلي وتسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة وتطوير الشبكة والتخزين من أبرز رهانات الأمن الطاقي للبلاد.

