هل تكفي توسعة محطة برج العامري لتعزيز أمن تونس الكهربائي؟
ويأتي مشروع التوسعة في سياق بحث تونس عن هامش أكبر من الأمان في منظومة إنتاج الكهرباء، والحد من مخاطر الاضطرابات أو تخفيف الأحمال خلال فترات الاستهلاك المرتفع، في ظل تنامي الطلب وتواصل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء.
وتبلغ القدرة الحالية لمحطة برج العامري/المرناقية نحو 624 ميغاواط، وقد دخلت التشغيل الصناعي الكامل في جوان 2020 بكلفة جملية بلغت حوالي 660 مليون دينار، بتمويل من البنك الإسلامي للتنمية والصندوق السعودي للتنمية، إلى جانب التمويل الذاتي للشركة التونسية للكهرباء والغاز.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية بالنظر إلى موقعه ضمن منظومة كهربائية تواجه تحديًا مزدوجًا: تأمين كميات كافية من الكهرباء لتلبية الطلب المتزايد، وتقليص هشاشة المنظومة أمام ارتفاع أسعار الطاقة وتذبذب الإمدادات الخارجية.
توسعة محطة برج العامري في مواجهة ارتفاع الطلب
لا ينفصل مشروع توسعة محطة برج العامري عن التطورات التي تشهدها منظومة الكهرباء في تونس، حيث أصبح ارتفاع الطلب خلال فترات الذروة أحد أبرز التحديات التي تواجه الشركة التونسية للكهرباء والغاز.
وقد شهد صيف 2026 ضغطًا متزايدًا على الشبكة، تزامنًا مع موجات الحر وارتفاع استعمال أجهزة التكييف، إذ أفادت معطيات إعلامية عن تجاوز الطلب خلال فترة الذروة مستويات الاستهلاك العادية بنحو 30 بالمائة، خاصة بين الواحدة ظهرًا والخامسة مساءً.
وفي هذا السياق، يرى خبير النجاعة الطاقية عدنان الحداد، في تصريح لديوان أف أم، أن تعزيز قدرة تونس على إنتاج الكهرباء يظل أمرًا ضروريًا، لكنه لا يمكن أن يكون الحل الوحيد أمام الارتفاع المستمر في الطلب.
ويعتبر الحداد أن توسعة محطة برج العامري يمكن أن تساهم في دعم استقرار المنظومة ورفع قدرتها على الاستجابة لفترات الاستهلاك المرتفع، غير أن معالجة الإشكال الطاقي تتطلب، في المقابل، مقاربة أوسع تقوم على تنويع مصادر الإنتاج والحد من الاستهلاك غير الضروري.
فالمعضلة، وفق هذا الطرح، لا تتعلق فقط بكمية الكهرباء التي تستطيع تونس إنتاجها، وإنما أيضًا بمدى نجاعة استهلاكها وبقدرة المنظومة على التكيف مع التحولات المناخية والاقتصادية التي تؤثر في الطلب.
وتندرج محطة برج العامري ضمن البنية الأساسية لإنتاج الكهرباء بالغاز، وهي من المنشآت التي أُنجزت أساسًا لمجابهة تنامي الطلب، وخاصة خلال فترات الذروة الصيفية. وقد أكدت وزارة الطاقة عند دخول المحطة حيز التشغيل الكامل سنة 2020 أن المشروع يهدف إلى تعزيز القدرة الوطنية المركزة في مجال إنتاج الكهرباء والاستجابة للطلب المتزايد.
الغاز في قلب المعادلة... هل تستطيع تونس مواصلة الاعتماد عليه؟
يطرح مشروع توسعة برج العامري سؤالًا آخر يتعلق بمزيج الطاقة الذي تعتمد عليه تونس، في وقت لا يزال فيه الغاز الطبيعي يمثل المصدر الأساسي لإنتاج الكهرباء.
وتشير المعطيات التي أوردتها في المادة الأصلية، والمنسوبة إلى المرصد الوطني للطاقة والمناجم، إلى أن الإنتاج الوطني للكهرباء بلغ إلى موفى جوان 2026 حوالي 9550 جيغاواط في الساعة، مسجلًا ارتفاعًا بنحو 5 بالمائة مقارنة بالفترة نفسها من سنة 2025، فيما ارتفعت الطاقة الموجهة إلى الاستهلاك المحلي بنحو 4 بالمائة.
كما أظهرت المعطيات أن إنتاج الكهرباء يعتمد بدرجة كبيرة على الغاز الطبيعي، بحصة تقارب 91 بالمائة، في حين ساهمت واردات الكهرباء، وخاصة القادمة من الجزائر، في تغطية جزء من الحاجيات الوطنية.
وتكشف هذه الأرقام عن مفارقة واضحة، كلما ارتفع الطلب على الكهرباء، تجد تونس نفسها مطالبة برفع قدرات الإنتاج، لكنها في الوقت نفسه تبقى مرتبطة بدرجة كبيرة بمصدر طاقة أحفوري واحد.
وتزداد أهمية هذه المسألة مع تراجع الإنتاج الوطني من الغاز التجاري الجاف. ووفق المعطيات الواردة في النشرة الطاقية للمرصد الوطني للطاقة والمناجم، يمثل تطور الإنتاج المحلي من المحروقات أحد العناصر الأساسية التي تؤثر في التوازن الطاقي للبلاد.
وفي تصريحه لديوان أف أم، يشدد خبير النجاعة الطاقية عدنان الحداد على أن استمرار الاعتماد المكثف على الغاز الطبيعي في إنتاج الكهرباء يجعل من تنويع مصادر الطاقة خيارًا استراتيجيًا وليس مجرد بديل ظرفي.
ويعتبر الحداد أن تونس تمتلك إمكانات مهمة في مجال الطاقات المتجددة، وخاصة الطاقة الشمسية، وأن تطوير هذه الموارد بالتوازي مع تحسين النجاعة الطاقية يمكن أن يخفف الضغط على محطات الإنتاج التقليدية ويحد من الحاجة إلى استهلاك كميات أكبر من الغاز.
ولا يقتصر مفهوم النجاعة الطاقية، وفق الخبير، على قطاع إنتاج الكهرباء، بل يشمل أيضًا المباني والمنشآت ومختلف مجالات الاستهلاك. فالعزل الحراري للمباني، وتحسين كفاءة التجهيزات، وترشيد استعمال الكهرباء خلال فترات الذروة، كلها إجراءات يمكن أن تساهم في خفض الطلب دون المساس بالحاجيات الأساسية للمواطنين والمؤسسات.
وبذلك، فإن زيادة الإنتاج تظل جزءًا من الحل، لكنها لا تعالج بمفردها الاختلالات الهيكلية للمنظومة، ما لم تترافق مع سياسة واضحة للحد من الاستهلاك وتنويع مصادر الطاقة.
من إنتاج الكهرباء إلى نقلها... شرط أساسي لنجاح التوسعة
لا يرتبط نجاح توسعة محطة برج العامري بقدرة المحطة على إنتاج الكهرباء فحسب، وإنما أيضًا بقدرة شبكة النقل على استيعاب الطاقة المنتجة وتصريفها في مختلف الاتجاهات.
وفي هذا الإطار، تم في 29 نوفمبر 2019 توسيع مركز التحويل المصفح بالمرناقية بهدف دعم تصريف إنتاج محطة برج العامري/المرناقية، بما يعكس أهمية الربط بين مشاريع الإنتاج ومشاريع النقل والتوزيع.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في فترات الذروة، عندما ترتفع الحاجة إلى تمرير كميات أكبر من الكهرباء في وقت قصير. لذلك، فإن أي زيادة في القدرة الإنتاجية تحتاج بالضرورة إلى بنية نقل قادرة على استيعابها وتوجيهها إلى مناطق الاستهلاك دون اختناقات.
ويأتي مشروع التوسعة أيضًا في إطار توجه حكومي لتسريع إنجاز المشاريع الكبرى ذات الصبغة الاستراتيجية. فقد أكدت الحكومة، في أكثر من مناسبة، أهمية استكمال المشاريع العمومية في آجالها وتكثيف آليات المتابعة الميدانية والاستباقية، بما يحد من مخاطر التأخير ويرفع من نجاعة الاستثمار العمومي.
وبخصوص مشروع توسعة محطة برج العامري، تقضي التوجهات المعلنة بتسريع إجراءات الإنجاز وإدراجه ضمن المشاريع الكبرى ذات الطابع الاستراتيجي، مع التأكيد على معالجة الإشكاليات التي قد تعطل التنفيذ، ومضاعفة جهود الهياكل المشرفة، بما يسمح باستكمال المشروع في الآجال المحددة.
ويرى عدنان الحداد، أن احترام الآجال لا يقل أهمية عن الجانب التقني للمشروع، خصوصًا أن أي تأخير في مشاريع إنتاج الكهرباء يمكن أن ينعكس مباشرة على قدرة المنظومة على مواجهة الطلب المستقبلي.
ويشدد الخبير في هذا السياق على ضرورة استكمال الدراسات الجيوتقنية والبيئية والفنية قبل الانطلاق في مختلف مراحل التنفيذ، إلى جانب استكمال إجراءات الصفقات العمومية ومتابعة الأشغال ميدانيًا، حتى لا تتحول آجال الإنجاز المعلنة إلى آجال إضافية بسبب عراقيل يمكن توقعها ومعالجتها مسبقًا.
وتبلغ ولاية منوبة، التي تحتضن المشروع، نحو 418 ألفًا و354 ساكنًا وفق نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، بما يجعلها جزءًا من المجال الحضري المتنامي المحيط بالعاصمة، حيث يرتفع الطلب على الطاقة بالتوازي مع توسع النشاط الاقتصادي والعمراني.
في النهاية، تبدو توسعة محطة برج العامري خطوة مهمة في مسار تعزيز قدرة تونس على إنتاج الكهرباء ومواجهة الطلب المتزايد، لكنها تظل جزءًا من معادلة أكبر بكثير.
فتونس لا تواجه فقط تحدي نقص القدرة الإنتاجية خلال ساعات الذروة، بل تواجه أيضًا تحدي تنويع مصادر الطاقة، وتقليص الاعتماد على الغاز الطبيعي، وتطوير الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة المباني والتجهيزات، إلى جانب تحديث شبكات النقل والتوزيع.
ومن هذا المنظور، فإن نجاح مشروع برج العامري لن يقاس فقط بموعد دخوله حيز الاستغلال أو بحجم الطاقة التي سيضيفها إلى المنظومة، وإنما بمدى قدرته على الاندماج في استراتيجية طاقية شاملة تجعل من زيادة الإنتاج وترشيد الاستهلاك وتنويع المصادر مسارات متوازية لضمان أمن الطاقة في تونس على المدى الطويل.
نــور فــارسي

