رغم كلفتها الباهظة..لماذا تواصل آلاف العائلات التونسية تعليم أبنائها في الخارج؟
ويأتي هذا الارتفاع في سياق تصاعد نفقات السفر لأغراض شخصية، التي بلغت حوالي 2.99 مليار دينار سنة 2025، مقارنة بـ 2.78 مليار دينار سنة 2024. وأرجع البنك المركزي هذا التطور أساسًا إلى ارتفاع مصاريف الدراسة بالخارج، إلى جانب زيادة نفقات الحج والعمرة.
وتُظهر المعطيات الرسمية أن تحويلات الطلبة تمثل نحو 23.7 بالمائة من إجمالي نفقات خدمات السفر المسجلة خلال السنة الماضية، وهو ما يعكس الوزن المتزايد للتعليم بالخارج في ميزان المدفوعات التونسي.
أكثر من 30 ألف طالب... وفرنسا الوجهة الأولى
وتشير البيانات إلى أن عدد الطلبة التونسيين الذين يزاولون تعليمهم خارج البلاد يتجاوز 30 ألف طالب.
وتظل فرنسا الوجهة الأولى للطلبة التونسيين بالخارج، إذ تستقطب أكثر من 55 بالمائة منهم، تليها ألمانيا ثم كندا، إلى جانب إيطاليا ورومانيا وتركيا. ووفق معطيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بلغ عدد الطلبة التونسيين المسجلين بالجامعات الألمانية 6852 طالبًا خلال سنة 2024، ما يجعل ألمانيا ثاني أبرز وجهة دراسية للتونسيين بعد فرنسا.
ويُفسَّر هذا الإقبال المتزايد بعدة عوامل، أبرزها البحث عن تكوين جامعي أكثر ارتباطًا باحتياجات سوق الشغل الدولية، والرغبة في تحسين فرص التشغيل بعد التخرج، فضلًا عن محدودية عدد المقاعد في بعض الاختصاصات المطلوبة داخل تونس، وخاصة الطب والهندسة.
بين قيمة الشهادة ومشروع الهجرة
ويرى الباحث وأستاذ علم الاجتماع محمد الجويلي، في تصريح لـديوان أف أم، أن هذا الإنفاق الكبير لا يمكن تفسيره بالاعتبارات الاقتصادية وحدها، بل يرتبط أيضًا بعوامل ثقافية واجتماعية متجذرة في المجتمع التونسي.
ويؤكد الجويلي أن التونسيين يتميزون بـ"تعلق كبير" بالمدرسة وبالشهادة الجامعية، إلى حد وصفه بـ"الهوس"، معتبرًا أن المؤسسة التعليمية تحتل مكانة مركزية في المخيال الجماعي للتونسيين أكثر من العديد من المجتمعات المجاورة.
وأوضح أن الشهادة الجامعية لا تُنظر إليها باعتبارها مجرد وثيقة علمية، وإنما باعتبارها رمزًا للنجاح الاجتماعي ووسيلة لبناء المستقبل وتحقيق المكانة الاجتماعية، وهو ما يدفع العائلات إلى تقديم تضحيات مالية كبيرة، حتى وإن تطلب الأمر تحمل تكاليف باهظة لإرسال أبنائها إلى الجامعات الأجنبية.
ويضيف أن الحصول على الدبلوم أصبح بالنسبة إلى كثير من الأسر "الراية التي ترفعها"، باعتباره المدخل الأساسي إلى الحياة المهنية والاستقرار الاجتماعي.
الدراسة... بوابة للهجرة والاستقرار في أوروبا
ولا يقتصر الدافع، بحسب الجويلي، على الحصول على شهادة أجنبية، بل يتجاوز ذلك إلى اعتبار الدراسة مرحلة أولى ضمن مشروع هجرة طويل المدى.
فالدراسة في الخارج، وخاصة في أوروبا، تتيح للطالب فرصة الاندماج التدريجي في المجتمع الذي يدرس فيه، ثم الالتحاق بسوق الشغل بعد التخرج، بما يجعلها في كثير من الحالات خطوة تمهيدية للاستقرار الدائم خارج تونس.
ويعتبر الباحث أن العديد من الأسر أصبحت تنظر إلى التعليم الجامعي في الخارج باعتباره استثمارًا في مستقبل أبنائها المهني والمعيشي، في ظل ما توفره الدول الأوروبية من فرص تشغيل وأجور وظروف عمل أفضل مقارنة بالسوق المحلية.
رغم ارتفاع الكلفة... الإقبال يتواصل
ورغم هذا الإقبال، فإن الدراسة بالخارج أصبحت أكثر كلفة خلال السنوات الأخيرة، نتيجة تراجع قيمة الدينار التونسي أمام اليورو والدولار، إضافة إلى الارتفاع المستمر في تكاليف المعيشة والسكن والدراسة في بلدان الاستقبال.
ولا يقتصر أثر هذه الزيادة في النفقات على ميزانيات الأسر، بل ينعكس أيضًا على ميزان الخدمات التعليمية والمالية الخارجية.
وسجل ميزان الخدمات التعليمية عجزًا بقيمة 494.7 مليون دينار سنة 2025، مقابل 327.1 مليون دينار في السنة السابقة، بما يعكس اتساع الفجوة بين ما تنفقه تونس على تعليم أبنائها بالخارج وما تحققه من عائدات مرتبطة بالخدمات التعليمية.
وللتخفيف من الأعباء المالية، أصدر البنك المركزي، في 5 سبتمبر 2025، المنشور عدد 10 لسنة 2025، الذي تضمن رفع المنحة الشهرية القابلة للتحويل للطلبة من 3000 إلى 4000 دينار، ورفع منحة الاستقرار من 4000 إلى 6000 دينار، مع توسيع الانتفاع بالإجراء ليشمل التربصات الأكاديمية بالخارج، واعتماد سنة دراسية تمتد على عشرة أشهر بدل تسعة.
إصلاح الجامعة... الحل من الداخل
ويرى محمد الجويلي أن معالجة هذه الظاهرة لا تكون عبر الحد من سفر الطلبة، وإنما من خلال إصلاح المنظومة الجامعية التونسية بما يجعلها أكثر قدرة على استيعاب تطلعات الشباب.
ويشير إلى أن الدولة مطالبة أولًا بفهم التخصصات التي تدفع الطلبة إلى مغادرة البلاد، سواء مباشرة بعد البكالوريا أو بعد الحصول على الإجازة، ثم إعادة النظر في خريطة التكوين الجامعي وفق هذه المعطيات.
ويضرب مثالًا باختصاص الطب، الذي يشهد طلبًا مرتفعًا يفوق طاقة الاستيعاب الحالية، معتبرًا أن توسيع طاقة كليات الطب أو إحداث حلول بديلة قد يساهم في الحد من نزيف الطلبة نحو الجامعات الأجنبية.
ظاهرة تتجاوز التعليم إلى رهانات المستقبل
وتكشف هذه المؤشرات أن الدراسة بالخارج لم تعد مجرد خيار أكاديمي بالنسبة إلى آلاف العائلات التونسية، بل أصبحت استثمارًا في مستقبل الأبناء المهني والاجتماعي. وفي المقابل، تضع هذه الظاهرة الجامعة التونسية أمام تحدي تطوير برامجها، وتوسيع طاقة استيعابها، وتعزيز ارتباطها بسوق الشغل، بما يحد من نزيف الكفاءات ويعيد الثقة في منظومة التعليم العالي.
نور الفارسي

