نواب: مقترح تنقيح نظام البنك المركزي لا يهدف إلى المساس باستقلاليته
وأكد أصحاب االمبادرة أن المقترح لا يهدف إلى المساس باستقلالية البنك المركزي، بل إلى إرساء مقاربة جديدة قائمة على التنسيق والتكامل بين السياسة النقدية والسياسة المالية، في إطار من الضوابط القانونية والمؤسساتية الواضحة.
وأضافوا أن المقترح يتضمن آليات دقيقة لتأطير تدخل البنك المركزي، بما يضمن توجيهه نحو دعم الاستقرار المالي والنمو الاقتصادي دون الإخلال بالتوازنات الكبرى.
وبيّن أصحاب المبادرة أن مقترح القانون يندرج في سياق اقتصادي ومالي دقيق يتسم بتفاقم الضغوط على المالية العمومية، وتزايد حاجيات تمويل الاقتصاد الوطني، وارتفاع كلفة الاقتراض الخارجي، إلى جانب استمرار اختلال ميزان المدفوعات وتقلص هوامش تدخل السياسات الاقتصادية التقليدية.
كما أبرزوا أن التجربة التطبيقية للقانون عدد 35 لسنة 2016 أفرزت عديد الإشكاليات، من بينها محدودية التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة الاقتصادية العامة، وصعوبة تعبئة الموارد الداخلية بكلفة مقبولة.
وأوضح أصحاب المبادرة أن التمشي الإصلاحي المقترح يقوم على إعادة تموقع البنك المركزي ضمن المنظومة الاقتصادية الوطنية، من خلال توسيع مهامه لتشمل، إلى جانب استقرار الأسعار، دعم السياسة الاقتصادية العامة للدولة وتحقيق النمو والتشغيل، مع المحافظة على استقرار سعر الصرف وسلامة الجهاز المالي.
كما يهدف المقترح إلى تعزيز التنسيق بين السياسة النقدية والسياسة المالية بما يساهم في تقليص كلفة تمويل الميزانية والحد من تفاقم المديونية.
ويتضمن المقترح كذلك تطوير أدوات تدخل البنك المركزي، خاصة عبر اعتماد السندات الحكومية كآلية لإعادة تمويل البنوك وتحسين انتقال السياسة النقدية، إلى جانب تمكين البنك المركزي من شراء جزء من الدين العمومي بهدف تخفيض كلفة الفائدة التي تتراوح حالياً بين 9% و10% إلى مستويات دنيا في حدود 1%، بما من شأنه أن يخفف العبء على ميزانية الدولة ويحد من اللجوء المتكرر إلى إعادة التداين.
كما ينص المقترح على تعزيز الدور الاحترازي الكلي للبنك المركزي في رصد المخاطر النظامية، وتدعيم قدرته على النفاذ إلى المعطيات الضرورية لضمان الاستقرار المالي، مع احترام قواعد حماية المعطيات الشخصية، إلى جانب إعادة تنظيم علاقته بالدولة عبر ضبط آليات مؤطرة قانونياً لتدخله في تمويل الخزينة، وفق سقوف كمية وزمنية تضمن الانضباط المالي.
وشمل المقترح أيضا إرساء مسار مؤسساتي واضح للجوء إلى الاقتراض الخارجي يقوم على تقييم مستوى الاحتياطيات، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتحديد صلاحيات مختلف المتدخلين، فضلاً عن مراجعة شروط تعيين وإعفاء محافظ البنك المركزي بما يعزز الحوكمة والمساءلة.
كما تضمنت الأحكام الجديدة إجراءات استثنائية وظرفية، من بينها تسوية وضعيات السندات الحكومية المودعة كضمان لدى البنك المركزي، وإحداث خط تمويل استعجالي لفائدة المؤسسات المزودة للدولة لمعالجة إشكال تراكم الديون، إضافة إلى تخصيص تمويل لدعم البحث العلمي وربطه بالتنمية الاقتصادية والسيادة التكنولوجية.
وقدّم أصحاب المبادرة جملة من المعطيات الرقمية والمؤشرات الاقتصادية لتأطير النقاش، حيث بيّنوا أن حاجيات التمويل لسنة 2026 تُقدّر بحوالي 27 مليار دينار، في ظل تضاعف خدمة الدين من 3.36 مليار دينار سنة 2011 إلى أكثر من 23 مليار دينار حالياً، وارتفاع نسبة المديونية إلى قرابة 80% من الناتج الداخلي الخام. كما أشاروا إلى أن حوالي 80% من القروض المتحصل عليها خُصصت لإعادة تمويل ديون سابقة، وهو ما يعكس محدودية مردودية التداين في دعم النمو.
واستعرضوا نتائج اللجوء إلى آلية التمويل المباشر عبر البنك المركزي خلال سنتي 2024 و2025، مؤكدين أنها ساهمت في استقرار سعر صرف الدينار وتراجع نسبة التضخم من 10% إلى حوالي 5%، إلى جانب تحسن التصنيف السيادي للبلاد، وانخفاض كلفة خدمة الدين الخارجي. غير أنهم أقرّوا في المقابل بأن هذه الإجراءات الظرفية تبقى غير كافية لمعالجة الإشكال بصفة جذرية، في ظل تواصل ارتفاع كلفة الدين الداخلي وتوسع حجم الاقتراض.
وقدم أصحاب المبادرة تصوراً متكاملاً يقوم على تمكين البنك المركزي من شراء الديون العمومية التي تحتفظ بها البنوك، بما يتيح تقليص نسب الفائدة وتفادي استنزاف السيولة، مع اعتماد آلية تمويل طويلة الأمد بين البنك المركزي والخزينة العامة عوضاً عن اللجوء المتكرر إلى السوق المالية.
كما تطرّقوا إلى مقترح سداد خدمة الدين الخارجي عبر توظيف احتياطي العملة الأجنبية مقابل إحداث دين طويل الأجل مقوم بالدينار، وهو ما من شأنه تقليص الضغط على العملة الصعبة وتحسين التوازنات المالية.
وتم عرض آليات لسداد الدين الداخلي غير المملوك من قبل البنك المركزي، وتمويل قصير الأجل في حدود 10% من الإيرادات الجارية، بما يخفف حاجيات التمويل السنوية.
وعبّر النواب عن تخوفاتهم من إمكانية أن يؤدي توسيع تدخل البنك المركزي إلى تحول تدريجي نحو تمويل غير مباشر لعجز الميزانية، بما قد يفضي على المدى المتوسط إلى ضغوط تضخمية ويؤثر على استقرار الأسعار، خاصة في حال غياب ضوابط صارمة وآليات رقابة فعالة.
وأكد عدد من النواب أن استقلالية البنك المركزي تمثل مكسبًا مؤسساتيًا يجب الحفاظ عليه، مشددين على ضرورة تجنب أي تأويل قد يفضي إلى إضعاف هذه الاستقلالية أو إخضاعها لاعتبارات ظرفية، لما لذلك من تأثير مباشر على مصداقية السياسة النقدية وثقة الفاعلين الاقتصاديين.
كما تم التطرق إلى إشكالية تصاعد كلفة الدين الداخلي، حيث اعتبر النواب أن اللجوء المكثف إلى السوق المالية المحلية أدى إلى استنزاف السيولة وارتفاع نسب الفائدة، بما انعكس سلبًا على الاستثمار الخاص، وهو ما يستوجب معالجة هيكلية لهذه المسألة ضمن أي إصلاح مقترح.
