ماذا تبقى من القانون الدولي؟
اليوم، لم يعد السؤال عن وجود انتهاكات للقانون الدولي، بل أصبح: هل ما زال القانون الدولي موجودًا فعلاً؟ بعد الأحداث الأخيرة، مثل التدخلات الأمريكية المتكررة، وحتى حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي ونقله بالقوة إلى بلد آخر، تتضاءل الثقة في فعالية هذا القانون. الأمور باتت تطرح علامات استفهام كبيرة حول مدى احترام الدول والقوى الكبرى للمبادئ التي كان من المفترض أن تحكم العلاقات الدولية.
ما حدث يشبه تمامًا عملية اختطاف سياسية تم تبريرها بقوانين مزيفة. تخيل أن يتم القبض على رئيس دولة مستقلة ومحاكمته بعيدًا عن أي جهة قضائية دولية معروفة، دون أن تمر القضية بمحكمة العدل الدولية أو المحكمة الجنائية الدولية. هذا يعني عمليًا أن واشنطن منحت لنفسها صلاحيات كاملة للتحقيق والإدانة والتنفيذ. الأمر أشبه بالعودة إلى زمن الإمبراطوريات، حيث القوة كانت هي الحكم، وليس القانون أو احترام الدول.
ولمن يعتقد أن ما حصل مع فنزويلا استثناء، يكفي العودة إلى سنة 1989، حين اجتاحت الولايات المتحدة بنما واعتقلت رئيسها مانويل نورييغا ونقلته إلى ميامي لمحاكمته، في خرق واضح لاتفاقيات فيينا للعلاقات الدبلوماسية ولسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة. يومها صمت المجتمع الدولي ما فتح الباب أمام تكرارها.
في عام 2003، تحطّم القانون الدولي تحت وقع دبابات أمريكا وبريطانيا في العراق. الحرب بدأت دون أي تصريح من مجلس الأمن، وبذريعة وجود "أسلحة دمار شامل" لم تُثبت صحتها أبداً. هذا التصرف كان خرقًا واضحًا لقواعد منع استخدام القوة الموجودة في ميثاق الأمم المتحدة. النتيجة كانت كارثية، مع ملايين القتلى وبلد محطم تمامًا.
في فلسطين، الأمور لا تتوقف عند مجرد انتهاك القانون الدولي، بل هناك إهانة مستمرة لهذا القانون في كل لحظة من قبل الاحتلال. من قرار مجلس الأمن رقم 242 إلى 2334، كل هذه القرارات تبقى مجرد كلمات بلا تأثير حقيقي، رغم أنها تحمل صفة إلزامية. حتى اتفاقيات جنيف الرابعة، المفروض أنها تحمي المدنيين في ظل الاحتلال، تُخترق أمام أعين الجميع دون حسيب أو رقيب. وعندما تحاول المحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق، ولو كان شكليًا، تأتي ردود الفعل الأمريكية بالتهديد وفرض العقوبات، وهو أمر غير مسبوق يضع العدالة الدولية في موقف ضعيف ويفقدها معناها الحقيقي.
هناك خطر كبير يكمن في العقوبات الأحادية التي تُفرض خارج إطار الأمم المتحدة، والتي تؤثر على شعوب كاملة مثل كوبا وإيران وفنزويلا. هذه العقوبات تتناقض مع قوانين الإنسانية الدولية وحق الشعوب في التنمية، وهو حق منصوص عليه في قرارات الأمم المتحدة. رغم ذلك، تُفرض هذه العقوبات دون أن يُحاسب أحد عليها، فقط لأن من يفرضها يمتلك القوة اللازمة لذلك.
ما نراه اليوم ليس مجرد مشكلة في القانون الدولي، بل كشف واضح عن نفاقه وانتقائه. القانون يُفرض فقط على الضعفاء، بينما يغض الطرف عن الأقوياء. هناك محاكم تستهدف قادة دول معينة، وتتجاهل قادة آخرين ثبت تورطهم في جرائم واضحة وموثقة.
أخذ رئيس دولة بالقوة ومحاكمته في بلد آخر، بدون قرار دولي أو إجراءات قانونية سليمة، ليس مجرد اعتداء على فنزويلا. بل هو إعلان صريح عن موت مفهوم المجتمع الدولي كما عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية.
في مواجهة هذا الوضع، صار القانون الدولي مجرد اسم بلا مضمون، والعدالة الدولية تحولت إلى كلمات تُقال في الاجتماعات الكبيرة. أما السياسة العالمية، فهي تُحكم فقط بالقوة، والضغط، وفرض الواقع كما يريد الأقوى.
القانون الدولي صار أشبه بضمير معلق، أكثر مما هو نظام يلزم الجميع. هو إطار أخلاقي نلجأ إليه عند الإدانة، لكن نغفل عنه حين يأتي وقت المحاسبة. لم يعد يضمن العدالة كما كان يُفترض، بل أصبح سجلًا للانتهاكات، تُدوَّن فيه الجرائم بانتظار تغير موازين القوى.
من هذه الزاوية، يبدو أن ما فعله القذافي في 2009 لم يكن مجرد عرض أو استعراض. كان في الواقع نوع من الاعتراض المبكر على نظام دولي لا يعمل بشكل عادل، حيث تُنتهك القوانين كلما تعارضت مع مصالح الدول الكبرى. في مثل هذا العالم، لا يكون السؤال الحقيقي حول ما تبقى من القانون الدولي، بل حول من ستكون الضحية القادمة تحت ذريعة "الشرعية" الأمريكية؟
ســعيد الــزواري
